طالما اعتُبر المغرب حليفاً تاريخياً للسعودية، بيدَ أن التطوّرات الأخيرة، خاصةً منذ بدء الأزمة الخليجية، أثرت على العلاقة بين البلدين، فهل يتعلّق الأمر ببداية قطيعة؟ أم أن روابط التاريخ ومصالح السياسة والاقتصاد أكبر؟

أكد خبر لوكالة ” الأسوشيتد برس” استمرار الركود بين المغرب والسعودية، الحليفين التقليديين تاريخياً في الكثير من الملفات، فالرباط أوقفت مشاركتها في التحالف الذي تقوده الرياض في اليمن، كما استدعت سفيرها احتجاجاً على بث قناة العربية لتقرير حول نزاع الصحراء، احتوى اتهامات للمغرب باجتياح هذا الإقليم بعد رحيل الاستعمار الإسباني، حسب ما نقلته الوكالة عن مسؤوليْن مغاربة. وقد نقلت مصادر إعلامية تصريحات لسفير الرباط في الرياض يؤكد استدعاءه للسبب ذاته.

وليست هذه المرة الأولى التي يرد فيها خبر انسحاب المغرب من التحالف في اليمن، فقد لمح إلى ذلك وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، عندما قال في لقاءٍ مع قناة الجزيرة، إن المغرب أعاد تقييم مشاركته في التحالف، ولم يشارك في مناوراته وعدد من اجتماعاته الأخيرة.

برود علاقة الطرفين ظهر في عدة أحداث، لعلّ أبرزها التبرّم الواضح لمسؤولين سعوديين من إبقاء الرباط على علاقاتها القوية مع الدوحة، فضلاً عن عدم استقبال المغرب لولي العهد محمد بن سلمان في جولته المغاربية الأخيرة بمبرّر “ازدحام جدول الأعمال” حسب الأسوشيتد برس، وعدم توجه الملك سلمان لقضاء عطلته السنوية المعتادة بمدينة طنجة، وتصويت السعودية على الولايات المتحدة بدل المغرب في سباق تنظيم كأس العالم لعام 2026، واستمرار جزء من الإعلام المغربي في انتقاد السعودية، بشكل، نادراً ما وقع خلال السنوات الماضية.

جذور الخلاف ظهرت قبل مدة

لم يكن الكثير من المتتبعين يتوقعون أن يبادر المغرب بإرسال مساعدات لقطر في أولى أيام الأزمة الخليجية، إذ كان هناك من يظن أن الرباط، وبسبب توافقها السياسي مع الرياض، وما ينتج عنه من استثمارات ضخمة، ستنحاز لها في إعلان القطيعة مع الدوحة، لكن المغرب أصر على موقفه بـ”الحياد الإيجابي” و”الاستقلالية”، بل وزار الملك محمد السادس الدوحة قبل أشهر في جولته الخليجية، ثم خصها بالشكر بعد انتهاء سباق تنظيم كأس العالم، إذ كانت أوّل دولة تعلن دعمها للمغرب في ترشحه الجديد لتنظيم نسخة 2030.

ويقدم مدير المعهد المغربي لتحليل السياسات، محمد مصباح، سبباً آخرَ لهذا الفتور، هو “عدم توصل المغرب مؤخراً بالتحويلات الكاملة للهبات التي أعلنت عنها دول مجلس التعاون الخليجي منذ مدة”، ويشير الباحث في تصريح لـDW عربية أن السعودية والإمارات لم تحولا إلى المغرب مجموع ما التزمتا به، وهو ما أثر سلباً على الخزينة العامة للمملكة المغربية.

ويتابع مصباح أن بث قناة “العربية” لتقريرها الذي “روّج لأطروحة البوليساريو” كان “النقطة التي أفاضت الكأس، لأن المغرب لا يتسامح في ما يتعلّق بوحدته الترابية، حتى مع حلفائه الاستراتيجيين، أو حتى مع الأمم المتحدة”.

بيدَ أنه في الجانب الآخر، لا يظهر أن هناك توجهاً إعلامياً سعودياً لـ”استفزاز” المغرب في موضوع “الصحراء الغربية”، فقد نشرت صحيفة الرياض السعودية قبل يوم واحد تقريراً بعنوان “الصحراء المغربية.. بين الشرعية التاريخية والمشروعية القانونية”، تحدث فيه عبد الحق الصنايبي عن “فراغ دعاوى الانفصاليين”. كما قامت حسابات على تويتر بإعادة نشر صور تظهر شارعاً في الرياض باسم “شارع الصحراء المغربية”، فضلاً عن أن السعودية عبرت رسمياً أكثر من مرة عن دعمها للمغرب في نزاعه مع البوليساريو.

ويستبعد مبارك آل عاتي، صحافي سعودي، أن تكون هناك أزمة في العلاقات بين البلدين، بل هي قوية، والموضوع حسب رأيه “مجرّد إثارة إعلامية تسعى للإيقاع بين البلدين”، مضيفاً لـDW عربية أنه لم يصدر أيّ تصريح رسمي من الرباط يحيل على التوتر المزعوم، وأن التقارير الإعلامية منسوبة إلى مصادر مجهولة، كما أن هناك من “ينفخ إعلاميا في بعض الملفات كما جرى في سباق تنظيم كأس العالم”.

وفيما يخصّ قطر، يقول آل عاتي، إن السعودية، وفي علاقاتها مع أصدقائها، “لا تتدخل في سيادة الدول وفي قراراتها الخارجية، فهي تدرك أن المغرب لديه علاقات مع قطر، وتعتبر أن السياسة الخارجية للرباط تخصّ هذه الأخيرة لوحدها”. إلّا أن المحلّل السعودي سليمان العقيلي، سبق أن أكد لـDW عربية وجود أزمة بين المغرب والسعودية بسبب موضوع الأزمة الخليجية، وكذا بسبب عدم تضامن المغرب مع بلاده في وجه “الحملة التي شنت عليها” إثر اغتيال خاشقجي.

وبدوره، يرى محمد مصباح، أن السعودية لم تستسغ الموقف المغربي بعد “حصار قطر”، خاصة وأن الرباط أضحت تقيّم سياستها الخارجية بناءً على أساسين وفق قوله: الأول، هو النأي بالنفس عن الصراعات الموجودة في الشرق الأوسط، إذ لم تعد تتدخل في الصراع السوري، وحتى مشاركته في اليمن كانت جد محدودة. أما الثاني، فهو جيو-استراتيجي يخصّ تراجع طبيعة التحالف الذي يربط بين الملكيات العربية، إذ أضحى عامل التقارب بينها يرّكز على المصلحة الاقتصادية بالأساس بعيداً عن الإيديولوجيا.

هل التوتر مرّشح للاستمرار؟

وفق معطيات رسمية، تعدّ السعودية الشريك الاقتصادي العربي الأوّل للمغرب، ويبقى من المستبعد أن يغامر الطرفان بضرب هذه الشراكة أو تهديد الاستثمارات السعودية في المغرب. كما أن المغرب أعلن قبل مدة قطع علاقاته مع إيران، وهي خطوة رحبّت بها السعودية كثيراً، فضلاً عن أن الرباط، تحرص على أن تبقى علاقاتها مع قطر في إطار لا يستفز السعودية، بدليل أن المغرب سارع إلى تكذيب صورة انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، أظهرت الملك محمد السادس يرفع وشاحاً مكتوب عليه “لكم العالم ولنا تميم”، وقال إنها مفبركة.

ويثق مبارك آل عاتي في سرعة احتواء الرباط والرياض لأيّ أحداث خلافية تقع بينهما، مستبعداً بدوره تضخم القضية إلى ما هو أبعد. فيما يقول محمد مصباح إن الخلاف سيتم حلّه غالباً عن طريق القنوات الديبلوماسية، لأن “الطرفين يدركان تعدّد ما يجمعهما من استثمارات وتحالفات عسكرية وأمنية، فضلاً عن أن الإحساس بتميز الملكيات عن الجمهوريات، لا يزال موجوداً”. وممّا سبق، يخلص مصباح أن التوتر لن يصل إلى قطيعة شاملة، إلّا في حالة كان هناك تصعيد من الجانب السعودي.

المصدر: DW عربية