أكدت لي التجربة المديدة في ممارسة مهنة المحاماة أن المحامي يتبنى الكثير من الملفات والقضايا، ويدافع عنها بنبل واستماتة، موظفا جميع كفاءاته المعرفية-القانونية وقدراته اللغويةثوالحجاجية والبلاغية. وخلال الاشتباك مع العديد من القضايا المختلفة والمتنوعة، كان يراودني دوما سؤال: إذا كنا ندافع دائما عن قضايا الناس والشعوب، فمن يدافع عن قضية المحاماة وقضايا المحامين؟! وإذا تأملنا السؤال مليا، قد نعيد صياغته على النحو التالي: قضية المحاماة؟!

‎هكذا، وبهذه البساطة الجارحة، تشير العبارة إلى مهنة من أنبل المهن، تطرحها بصفتها ” قضية” أي مسألة متنازع في شأنها وتستدعي البحث والفصل. وقد تأكد لي هذا المعنى الآن أكثر من أي وقت مضى أمام الهجمات الشرسة والمنظمة التي تستهدف المهنة وأهلها المخلصين. وفوق ذلك، يتأكد يوما بعد آخر، أن الهجمات لا تأتي دوما من الخارج، وإنما تتشكل داخل القطاع قنابل موقوتة، نتيجة الإخلال بقانون المهنة أو الاستهتار بأعرافها وتقاليدها الراسخة. وهو ما تترتب عنه بعض الظواهر اللاأخلاقية والمصرية التي صارت تتمدد الطفيليات من الأعشاب أو الخبيث من الأورام التي تعد جسم أي هيئة ابتليت بها.

‎وأمام الكارثة التي تتهددنا كمهنة وتهددنا كممارسين لها، المخرج الأنجع الاحتكام إلى قانون المهنة والتمسك به واستحضار في كل وقت وحين؛ ثم التشبث بأشراف المهنة وتقاليدها التي ارتقت إلى مرتبة القانون بحكم تواترها ورسوخ فاعليتها ونجاعتها.

‎نعم أيها السادة. الاحتكام للقانون هو المعول عليه في تنظيم شؤوننا الداخلية وترتيب علاقاتنا مع السادة القضاة كما مع الموكلين وباقي المعنيين بحقل العدالة. فنحن نتراجع يوميا أمام محاكم متعددة في شأن قضايا متنوعة لموكلين مختلفين يقصدوننا للتخفف من أعباء مشاكلهم وهمومهم. ولا نكادننتهي من مرافعة ماراطونية، حتى نجد أنفسنا عالقين أمام مذكرات قد تنهد لها الجبال. يتعلق الأمر إن بمهمات جليلة وقبيلة جوهرها حل المشاكل وتخفيف متاعب الآخرين بأفق عادل ونافذ. وهو ما يفيد أننا نحمل أمانة وتؤدي رسالة. وفي الحمل والأداء، كما في ما يهم الأمانة والرسالة، لا منظومة من الاحتكام للقانون التشبث الأعراف والتقاليد. لأن ذلك هو السبيل الأقوام لتحصين المهنة وضمان حصانة ممارسيها عمليا وأخلاقيا.

‎أعداء المهنة كثيرون. والمتربصون بها يقولون هم عددوا تمزيقا. وكل يحاول بما أوتي من المكر والخبث تفكيك وحدة المحامين التي تشكل النواة الصلبة والسخرية التي تنكسر فوقها جميع محاولات التفكيك الخارجية والداخلية. وقد أزفت ساعة رد الاعتبار للمحاماة والمحامين عبر الاستكانة في الدفاع عن وحدة الصف وعن أخلاق النبل والشهامة والشرف وغيرها مما يشكل ترسانة أخلاقيات المهنة.

‎وفي الزمن الذي نعيش، وهو زمن العولمة والمعلومات والثورة التقانية المذهلة، لا بد من التفكير بشكل جدي في تحديث أساليب عمل المحامي وتطويرها بما يتناسب مع مستجدات العصر. ويظل التحديث والتطوير رهينان إلى حد ما بإعادة التكوين والتكوين المستمر والتخصصي والانفتاح على لغات العالم الحية. المحاماة جزء وليست جزيرة معزولة في أرخبيل. ولهذا الجزء أن يتفاعل مع باقي أجزاء العالم وأن يساهم في تقدمها وتطويرها والبحث عما يوفر الرخاء والرفاه للجميع فوق كوكب يسع الجميع. والقصد من ذلك، دمقرطة العلاقات على صعيد الهيئات والجمعيات كما صعيد العلاقات الدولية.

 

بقلم-الأستاذ النقيب والمحام الشهير إبراهيم صادوق