الجو ممطر، زخات المطر تتساقط على نوافذ المدرج، تكسر الصمت الممزوج بالملل الذي يكرسه فضاء الجامعة، وتفتح المجال لسماع صفير الرياح التي تفرض عليك لزاما الهروب من جو المحاضرة الكئيب، فكثيرا ما أسافر إلى عوالم أخرى حيث لا طلبة ولا مدرجات ولا ذاك الصمت الرهيب، إلا أن لكنة الأستاذ وتركيزه على الطلبة أمثالي الذين عادة ما يتأخرون كانت تفرض علي دخول المدرج ببطئ حتى لا يسمع إيقاع خطاي وحتى لا يتشتت انتباه الطلبة المجدين والباحثين عن أدنى فرصة ليجلبوا انتباه ذاك الأستاذ المفكر العظيم، بل وتفرض علي الإصغاء إلى محاضرات أستاذي، وخاصة عندما يتعلق الأمر بسخريته من الواقع، ونقده لسياسة الدولة في زعمها تبني الديموقراطية.
الأستاذ دخل لتوه حاملا معطفه الرمادي ومحفظته السوداء، يشرع في إعداد الميكرفون، تلزمنا دقائق أخرى لكي يصلنا صوت محاضرته، فجهاز تكبير الصوت بطيء التشغيل، يضربه بيده فيصلنا صوت الضربة قويا ومزعجا، لكنه حين يتكلم لا نسمع شيئا، خاصة أصحاب المقاعد الخلفية أمثالي_ الذين يتأخرون دائما بعد معاناة مع حافلات النقل الجامعي_، لا نرى سوى حركة شفتيه وتلويحه المستمر بيديه، فنضرب الطاولات المدرجية بأقلامنا، فيعيد تجربة الميكروفون، ويعدل درجات الصوت فنصيح: صافي باركا!.
يشرع الأستاذ في محاضرته عن القانون الخاص بالعقارات، وعقود البيع والكراء، إلا أنني وفي لحظات عديدة لاحظت أن الأستاذ المحترم كان يبالغ في توظيف ضمير المتكلم المفرد، وأحيانا يستعمل صيغة الجمع المعظم لنفسه “وقمنا ببحث، أنجزنا حوارا وكانت أطروحتنا…” فكثيرا ما كنت أتخيل أستاذي مفردا في صيغة الجمع، فهو أستاذ لمادة تهم حياتنا اليومية، فتارة يتحدث عن ذاك المقرر الضخم، وتارة أخرى عن أحد الاجتهادات القضائية التي تركت بصمة في تاريخ القانون المغربي، وفي أحيان عديدة يتجه بنا إلى عالم آخر ليخبرنا عن مقال أو كتاب طرح له، لذا فهو مفرد لكنه جامع لذوات متعددة.
تمر محاضرات قانون العقود والعقارات ثقيلة، فلا نكاد نتقدم خطوة في محاور المقرر اللعين، حتى يسقط الأستاذ طائرته الورقية في حديقته الخضراء واليانعة دائما….؛

ومع صوت قطرات المطر المتعالي، التي تضفي على الجو نوعا من الهدوء بين صفوف الطلبة، سكت الأستاذ للحظة، نهض لينظر من نافذة المدرج، لكنه خيب أفق إنتظاري حين تنهد وقال: في مثل هذا اليوم، كنت ساعتئذ طالبا باحثا، كانت مدينة مراكش مغايرة لما عليه اليوم، كان شارع فرنسا –محمد السادس حاليا- عبارة عن مجموعة من الملاعب لممارسة ولعب كرة القدم، فيتجه من جليز إلى دوار سيدي مبارك معتبرا شبانه رجالا أقوياء…..، بصراحة لم أعد أتذكر بقية كلامه، إلا أن الظاهر لي أن الأستاذ كان يحن إلى ماضيه، إذ وضعه في مرتبة تسمو عن الوصف، لأنه “إذا اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة”.
تنتهي المحاضرة في سلام، فيتجه بعض الطلبة والطالبات المتملقات والأنيقات نحو الأستاذ، الأكيد أن بعضهم سيرافقه إلى باب الكلية، أسرع أنا ورفيقاتي لنلحق الحافلة، أندس داخلها، معدتي تتدور جوعا، فضاء الحافلة مختبر للروائح الزكية والمقرفة على السواء، رائحة الطالبات الأنيقات، ورائحة الإبطين الكريهة، ثم رائحة الأحذية المتعفنة، وروائح أخرى تأتي على حين بغتة لترافقني لطول الرحلة.
فرامل الحافلة قوية، فكثيرا ما يختلط الطلبة مع الركاب الآخرين بعد كل فرملة، والبعض كان يستغل هذه الفرملة ليرتمي على الفتيات من أجل لمسة مسروقة، ليعتذر لها وترد عليه بكل لطف ولباقة “العفو”، ولكن صدمة الملامسة ترافقه طيلة ما تبقى من اليوم، ناهيك عن النظرات والغمزات التي تطارد جميع الطالبات والتي كانت تزعج بعض الطالبات، لكنها كانت مصدر فخر للبقية.
أغادر الحافلة في حالة يرثى لها، وكأنني خرجت للتو من معركة حربية، لكي أصل إلى البيت لابد من عشر دقائق من المشي، أتناول عشائي في نهم مع سماع صوت أمي المتعالي: ” فين هاد التعطيلة، دك الساعة باتي فلفاك، زعما هلقريا….”. لكي أنام وأنا أتجاذب الحديث مع أفراد أسرتي الصغيرة ليحكولي كل ما جرى من أحداث أثناء اليوم بكامله، في انتظار موعد رجوعي للكلية، لأنهض على صوت المنبه المزعج، ولأحمل حقيبتي الجامعة لمختلف المواد المقررة، أغادر المنزل بسرعة حتى لا تتركني الحافلة، سألحقها اليوم قسرا أو إختيارا……..
بقلم إلهام زخراف