علق معهد واشنطن، لسياسة الشرق الأدنى، على الاحتجاجات الواسعة التي تشهدها الجزائر، للأسبوع الثالث على التوالي، اعتراضا على ترشح رئيس البلاد عبد العزيز بوتفليقة لعهدة خامسة.

وتنبأ المعهد بقرب حدوث اشتباكات عنيفة مع قوى أمن الدولة، نظرا لتضخّم عدد المحتجّين.

وتابع المعهد أن “الأيام القادمة قد تحدد إذا ما كان أحد البلدان القليلة التي تفادت اضطرابات الربيع العربي، سيسلك مسارا باتجاه الإصلاح أم سيتدهور لتعمّ الفوضى”.

وجاء في تقرير المعهد الذي أعدته الباحثة سارة فوير: “التظاهرات ليست غريبة عن الجزائر؛ ففي السنوات الأخيرة، شهد البلد آلاف الاحتجاجات الصغيرة النطاق حول مسائل محلّيّة مثل الحصول على الإسكان والوظائف. غير أن الموجة الأخيرة هي الأكبر والأوسع انتشارا منذ سنة 2011، حين اجتاحت مجموعة من الانتفاضات جزءا كبيرا من الشرق الأوسط.

وتمكّنت الجزائر من تفادي الأسوأ من ذلك الصراع، ويعود جزءٌ من السبب إلى ذكريات حربها الأهلية التي دامت لعقد من الزمن في التسعينيات، التي يبدو أنها ثبّطت العزيمة على زيادة التعبئة، وأيضا إلى إسراع الحكومة في استخدام مواردها لزيادة منافع الرعاية الاجتماعية. لكن لا يبدو أن أيّا من الرادعيْن ينفع اليوم”.

وأوضحت الباحثة أن السبب الظاهر للمظاهرات هو ترشح بوتفليقة لولاية خامسة، فيما “الأسباب الأعمق التي تكمن خلف الاضطرابات، تعود إلى تصلّب النظام السياسي وتدهور الاقتصاد”.

وتابعت: “فمنذ الحصول على الاستقلال من فرنسا في سنة 1962، حَكَمَ الجزائر تحالفٌ غامض من القادة العسكريين والمسؤولين الاستخباراتيين ونخب رجال الأعمال والسياسيين المعروفين معا باسم Le pouvoir (السلطة). وعلى مر العقود، انبثقت شرعية هذه الفصيلة إلى حد كبير، من واقع أن الكثيرين من أعضائها شاركوا في النضال من أجل الاستقلال. وبوتفليقة، الذي استلم مقاليد الحُكم في سنة 1999، هو من بين النخب الأخيرة الباقية من ذلك الجيل، ويعود إليه جزءٌ كبيرٌ من الفضل في مساعدة البلاد على بلوغ قدر من الاستقرار بعد الحرب الأهلية التي أودت بحياة حوالى 200.000 شخص. إلا أن قرار تقديم ترشحه مرة أخرى، يشير إلى أن النخب الذين يُفترَض أنهم مسؤولون عن اختيار خلَفه، كانوا عاجزين عن التوصل إلى إجماع”.

وأكدت الباحثة أن صدى الإشارة إلى الكفاح ضد الاستعمار والتحذيرات من العودة إلى “العقد الأسود” للتسعينيات، لا يرتجع كثيرا  في آذان 70 في المئة من 41 مليون ساكن في الجزائر لم يبلغوا سنّ الثلاثين.

وأوضحت أن “هذا الجيل لا يعنيه سوى معدّل البطالة لدى الشباب الذي بلغ 25 في المئة، والاقتصاد الذي يزداد سوءا بانتظام، وهما أمران عجزت أم لم ترغب النخب السياسية في تحسينهما. فتعتمد الجزائر كثيرا على مردود مبيعات النفط والغاز، التي تشكّل 95 في المئة من عائداتها التصديرية و60 في المئة من مداخيل ميزانيتها”.

واضطرّت الدولة بسبب هبوط أسعار النفط العالمية في سنة 2014 إلى الاستعانة باحتياطات العملة الأجنبية، التي تراجعت بنسبة 50 في المئة تقريبا منذ سنة 2011.

وفي الوقت نفسه، تحدّ الأحكام التجارية التقييدية من الاستثمار الأجنبي بشكلٍ كبير. لذلك كلُّ من يستلم السلطة بعد هذه الدورة من الانتخابات، سيواجه وضعا اقتصاديّا ملحّا بحاجة إلى الإصلاح العميق.

وعن الموقف الأمريكي مما يجري في الجزائر، قال معهد واشنطن، إنه بالرغم من العلاقة غير المتينة بين البلدين، إلا أن “إصابة هذا البلد بنوبة جدية من عدم الاستقرار، ستؤدي إلى تقويض المصالح الأمريكية في المنطقة. فبرزت الجزائر كشريك أساسي لمكافحة الإرهاب في الحملة لإضعاف الشبكات التابعة لتنظيم “القاعدة” في منطقة الساحل إلى الجنوب.

ويعتمد الحلفاء الأوروبيون من جهتهم على الجزائر لضمان التدفق المستمر للهيدروكربونات، بصفتها مزوّدهم الثالث الأكبر بالغاز الطبيعي، ولتخفيض نسبة تدفق المهاجرين من أفريقيا. كما انضمت الجزائر مؤخرا إلى محادثات متعددة الأطراف، تهدف إلى حل النزاع الذي دام لعقود في الصحراء المغربية”.

واعتبر معهد واشنطن، أن نظام بوتفليقة كان أمامه سنوات من أجل تحضير خليفة للرئيس البالغ من العمر 82 عاما، إلا أنه “لم يكن على قدر المسؤولية”.

وتابع: “نظرا إلى تقارير اليوم حول الاحتجاجات المتنامية، لن تهدّئ هذه العروض على الأرجح الوضع السائد. وهكذا، على واشنطن أن تستعد لاحتمال استمرار الاضطراب، وأن تعمل في الوقت نفسه بهدوء مع الحلفاء العرب والأوروبيين، على حث الجزائر على وضع خارطة طريق موثوقة للخروج من المأزق، تأخذ في الاعتبار بشكل مناسب هواجس المحتجّين”.

 

كشـ365-وكالات