هل أثبت الحصار الذي فرضته بعض دول الخليج على قطر أنه فرصة للتطور أكثر من أنه أزمة؟، سؤال طرحه تيم أدامز الصحفي البريطاني العامل في صحيفة The Guardian، وأشار في مقالة نشرتها الصحيفة البريطانية، أنه من الممكن أن تشعر قطر بالامتنان سراً للحصار في توسيع الفجوة الثقافية الملموسة بينها وبين جيرانها الوهابيين.

فبدل أن تؤدي المهلة إلى زعزعة استقرار عائلة آل ثاني، منحت مقاومة المهلة العائلة علاقة قوية مع الشعب، كما ساهمت في الدفع بالإمارة الخليجية الغنية بالغاز الطبيعي إلى الإسراع في مجموعة من الإصلاحات، ويقول العميد إيفريت دينيس، وهو مراقبٌ بارز لدور الصحافة في توسُّع المجتمع المدني في الكتلة الشرقية السابقة وأيضاً في الولايات المتحدة الأميركية، “فإنَّ الحصار سارع مجدداً من وتيرة هذه الشفافية في الإمارة”.

نتائج عكسية للحصار

على مدار معظم العام الماضي، كانت دولة قطر، التي تُعَد أثرى شبه جزيرة في العالم، تستكشف قانون العواقب غير المقصودة. وجاء السبب الذي أدَّى إلى هذا في يونيو/حزيران الماضي، حين صعَّد أقرب جيران قطر ضجراً يغلي ببطءٍ حول دور الدولة الخليجية في المنطقة وفرضوا حصاراً بحرياً وجوياً كاملاً. وبين عشيةٍ وضحاها، حُوِّل مسار الطائرات وسفن الشحن المتجهة إلى قطر، وقُطِعَت كافة العلاقات الدبلوماسية، وأُغلِقت حدود قطر البرية الوحيدة مع المملكة العربية السعودية. وحتى الإبل لم تسلم من السياسة؛ إذ رُحِّل 12 ألف حيوان قطري قسراً إلى بلادهم.

كان الهدف المُعلَن للحصار –الذي صحبته مهلة 10 أيام لتنفيذ 13 مطلباً يُستبعَد قبولها– هو الاحتجاج على ما كان يُنظَر إليه باعتباره دور قطر الشاذ في “تمويل الإرهاب” (وهي الحُجة السعودية التي اقتنع بها ترمب ونقلها بحذافيرها في تغريداته على موقع تويتر). من الناحية السياسية، بدا أنَّ الأمر مجرد محاولةٍ لإذلال المشيخة وإخضاعها. لكنَّ ما حدث هو أن ظهر شيءٌ على نقيض ذلك التوقُّع. فبدل أن تؤدي المهلة إلى زعزعة استقرار عائلة آل ثاني، منحت مقاومة المهلة العائلة علاقة قوية مع الشعب.

وبين المواطنين القطريين البالغ عددهم 313 ألفاً (من بين سكان البلاد البالغ عددهم 2.6 مليون شخص)، نما التفافٌ حول شخصية الأمير الشاب، الشيخ تميم، الذي أصبحت صورته التي يبدو فيها مثالياً مُعلَّقةً على حديد وزجاج ناطحات السحاب في الدوحة تُحدِّق في أنحاء الخليج، وتكاد تكون موجودة على الزجاج الخلفي لكافة سيارات الدفع الرباعي التي تجوب كورنيش العاصمة ذا الست مسارات.

ويبدو أيضاً أنَّ العزلة عملت كعاملٍ مُحفِّزٍ لرؤية قطر طويلة الأجل لنفسها. فمنذ أن اكتشفت الدولة صاحبة أكبر نصيب للفرد من الناتج المحلي الإجمالي في العالم احتياطياتها الضخمة من الغاز الطبيعي واستغلَّتها، كانت إحدى المفارقات الراسخة لديها هي أنَّه لم تكن هناك حاجة محلية كبيرة لدفع الابتكار.

وبات هدف عائلة آل ثاني المُعلَن هو خلق اقتصاد معرفة متنوع يدوم لما بعد احتياطيات الغاز. وكما أوضحت لي الشيخة هند أصغر شقيقات الأمير في الدوحة الأسبوع الماضي في مقابلةٍ نادرة، فإنَّ المال –وحافز المشروعات الرأسمالية مثل كأس العالم 2022- لا يحل سوى بعضٍ من مشكلات نقص المهارات تلك. وقالت: “ليس سراً أنَّنا مجتمعٌ ثري وربما حتى لا يحتاج أحدٌ للعمل. لكن معرفة أنَّ بإمكانك المساهمة في تنمية بلدك وجعله يصبح أكثر بروزاً شيءٌ يشعر الجميع بالفخر تجاهه. وإن كان الحصار ساعد على أي شيء، فإنَّه ساعد في ذلك. إنَّنا نرى فرصةً كبيرة لتحقيق الاستدامة الذاتية”.

استثمارات ضخمة من أجل المعرفة

جاء التعبير لأول مرة عن التطلُّعات القطرية لبناء دولة حديثة عن طريق والديّ الشيخة هند. ففي حين طوَّر والدها شراكةً مع إيران تُمكِّن من استغلال الغاز الطبيعي، أسَّست والدتها الشيخة موزا مؤسسة قطر بمليارات الدولارات بهدف إحداث تحوُّل في التعليم، خصوصاً للنساء. كانت الشيخة هند (34 سنة)، وهي أم لخمسة أبناء، واحدة من أوائل المستفيدين من “المدينة التعليمية”، وشغلت على مدار السنوات الثلاث الماضية منصب الرئيس التنفيذي لمؤسسة قطر.

ومن شرفة مكاتب المؤسسة يمكنكم رؤية الأدلة الزجاجية والرخامية على هذا الطموح باديةً في الحرم ذي الصبغة المستقبلية لـ12 “جامعة شريكة” تنشر شعاعها إلى الخارج. وجُلِبَت كلٌ منها إلى هنا لخبرتها العملية في بناء القدرات التي يحتاجها القطريون: فجامعة جورج تاون من أجل برنامجها الخاص بالحكومات، وجامعة تكساس إيه آند إم من أجل الهندسة، وهكذا. أحدث الإضافات إلى المدينة التعليمية هي مكتبة قطر الوطنية، من تصميم المعماري الهولندي ريم كولهاس: وهو مبنى ضخم ترحيبي، أرفف الكتب فيه منصوبة حول منطقة مركزية تضم مسرحاً مفتوحاً ومقهى، كأنَّها مدرجات على سفوح تلال مضاءة الخلفية.

لم يكن هناك تقاليد للمكتبات في الخليج، لذا كانت فكرة كولهاس هي خلق مساحة يمكن استيعابها على الفور. وبالفعل حصل 51 ألف قطري على عضوية المكتبة، وبرهنت المكتبة الوليدة عن نجاحٍ خاص. وفي الأشهر القليلة منذ افتتاحها، جرت استعارة كل الكتب الموجودة على أرفف المكتبة والبالغ عددها 150 ألفاً مرة واحدة على الأقل. وإلى جانب مدرجات الكتب الفضية تلك، وفي مستوى تحت الأرض في ما يُشبه سراديب الموتى المحفورة والمصنوعة من الرخام الإيراني، تضم المكتبة مجموعةً نادرة من المخطوطات ومجموعات فن الخط المتعلِّقة بالعالم العربي، والتي اقتُنيَت بثمنٍ باهظ. وجُمِعَت هذه المجموعة بنفس الروح المُولَعة بالاقتناء التي ملأت بها مليارات عائلة آل ثاني متحف الفن الإسلامي الحديث من تصميم المعماري آي إم باي؛ لترسيخ الدوحة باعتبارها العاصمة الثقافية الحديثة للعالم العربي. وفي وقتٍ لاحق من هذا العام، سيُضيف متحفاً وطنياً جديداً يتخذ شكل سلسلة من الأقراص العملاقة المتداخلة من تصميم جان نوفيل بُعداً آخر لهذا الادعاء.

رسائل الدوحة الثقافية

يوجد سلوكٌ صارِخٌ للفت الأنظار في البعض من هذا، لكن ينطوي أيضاً على رسالة مفادها أنَّ قطر تهدف لخوض غمار المجالات الثقافية بقدر سعيها لخوض المجالات الاقتصادية. إذ شغلت عائلة آل ثاني عناوين الأخبار بشرائها حصصاً باهظة في معالم عالمية مثل مبنى إمباير ستيت، ومتاجر هارودز، وبرج شارد، والإنفاق ببذخٍ وتباهٍ على شراء أغلى لوحات العالم (250 مليون دولار لشراء لوحة لاعبي الأوراق للفنان الفرنسي بول سيزان)، ولاعبي كرة القدم (262 مليون دولار لجلب النجم البرازيلي نيمار إلى فريق باريس سان جيرمان المملوك لقطر).

لكنَّهم لطالما أدركوا أيضاً أنَّ مَن يتحكَّم في القصة هو مَن يحوز النفوذ. خضع هذا المبدأ للاختبار للمرة الأولى قبل 22 عاماً عندما أنشأ الأمير آنذاك شبكة الجزيرة الإعلامية العربية وموَّلها. والتغطية الصحفية اللاذعة التي سلطتها المحطة التلفزيونية على السياسات الدولية للدول العربية (في مقابل تغطية لينة نسبياً للشأن القطري) هي أحد ركائز العداوة والحصار الحاليين. ويتمثل أحد المطالب الـ 13 النهائية للدول التي تفرض الحصار في إغلاق الشبكة.

تفاقم الغضب الذي قاده السعوديون إزاء تغطية الجزيرة وموقفها أثناء الربيع العربي، عندما دعمت المحطة (والأسرة الحاكمة في الدوحة) الانتفاضة الشعبية، بدلاً من النظم الحاكمة القائمة. ونُظِّر إلى ذلك الموقف باعتباره جزءاً من نهج أوسع نطاقاً تسعى فيه قطر لتعزيز موقفها في الداخل في الوقت الذي تثير فيه المعارضة في الخارج، بهدف نيل رضاء الجميع: إبقاء التجارة والقنوات الدبلوماسية مفتوحة أمام إسرائيل بينما تُموِّل حماس علانيةً، واستضافة قاعدة العديد الجوية الأميركية المهمة بينما تُقدِّم الدعم لجماعة الإخوان المسلمين، وعرض للتوسط في محادثات السلام في سوريا في الوقت الذي تُوفر فيه الملاذ لعناصر معروفة تابعة لتنظيم القاعدة.

“الجزيرة” رمز الإمارة

بالنسبة لمنتقدي قطر، فإنَّ الجزيرة أصبحت رمزاً للنفاق لذلك التطرُّف في السياسة الذي صوَّرَت الشبكة وجوده في دولٍ عربية. وفي الدوحة تعد رمزاً للاستقلال والسيادة. وكما تقول الشيخة هند: “تخيل دولة أخرى تقول لبريطانيا أنَّ تغلق هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي – فإنك ستصاب بصدمة”. وقدَّمَت الشيخة دفاعاً قوياً للأثر التحرُري الذي كان للمحطة الفضل فيه.

وقالت: “أعتقد أنَّه عندما نتحدَّث عن المكان الذي نرغب في أنَّ تكون به منطقتنا، فشبكة الجزيرة هي جزء مهم من ذلك.. ربما ليس الكثير من الناس سعداء بما جرى كشفه، لكن إذا كنت ترغب في بناء مجتمع مدني والسماح للناس بالتفكير بالنيابة عن أنفسهم وأنَّ يكون لهم دورٌ مهم يجب أنَّ تخرج كل قصة إلى العلن”. والجهد الظاهر الحالي لغرز تلك الروح الساعية لكشف الخبايا بعمق أكبر في المجتمع القطري يرتكز في حرم المدينة التعليمية لجامعة نورثويسترن – التي تتصدَّرها كلية ميدل للصحافة.

وتوقَّع العميد إيفريت دينيس، المراقب البارز لدور الصحافة في توسُّع المجتمع المدني، أن ينشب شجارٌ بشأن الرقابة عندما حضر إلى الدوحة. لكنه قال إنَّه “لم يكن هناك أيُّ تدخُّلٍ فيما ندرَّسه والطريقة التي ندرَّس بها -ويُناقش بحرية نطاق كامل من القضايا الاجتماعية التي يمكن أنَّ تكون جزءاً من المحادثات في حرم جامعي أميركي”. في بادئ الأمر، اصطدم ببعض النفور إزاء تحدي السلطة بين الطلاب، الذين أتوا من كل أنحاء المنطقة ومن خارجها، لكن سرعان ما تبدَّد ذلك. ويشير إلى أنَّ المكتسبات الاعتيادية التي حقَّقَتها حريات الصحافة بدأت في أنَّ تحظى بالتقدير في قطر (رغم حقيقة أنَّه منذ عام 2016 كانت السلطات تحجب موقع Doha News الإلكتروني الذي قدَّمَ تغطيةً صحفية أكثر انتقاداً لممارساتهم).

وأشار إلى أنَّ كلا الجانبين كانا يتعلَّمان. ويرى أنَّ روح التحقق الانتقادية تلك دفعت أيضاً الأسرة الحاكمة وحكومتها إلى مخاطبة المخاوف الدولية، على الأخص فيما يتعلق بالمعاملة المخجلة التي تلقتها العمالة المهاجرة العاملة في المشروعات الرأسمالية التي بدأتها قطر من أجل استضافتها لكأس العالم لكرة القدم. وقد استجابوا لتلك المخاوف بإقرار حد أدنى للأجور وسياسة جديدة بشأن برامج الإسكان والرعاية الصحية وهو الأمر الذي لاقى ترحيباً مؤهلاً من منظمة العمل الدولية التابعة للأمم المتحدة. من وجهة نظر العميد فإنَّ الحصار سارع مجدداً من وتيرة هذه الشفافية. وفي الوقت نفسه الذي مُنِع المواطنون في السعودية والبحرين والإمارات من الاستفسار أو انتقاد حتى فكرة الحصار، فقد رفعت قطر القيود المفروضة على إصدار التأشيرات وتحاول تصنيف نفسها باعتبارها موطناً لحرية أكبر في التعبير عن الرأي.

وضع محزن

ومن هذا المنطلق، أتساءل عمَّا إذا كانت الأسرة الحاكمة في قطر تشعر بالامتنان سراً للحصار في توسيع الفجوة الثقافية الملموسة بينها وبين جيرانها الوهابيين. هل أثبت الحصار أنَّه فرصة أكثر منه أزمة؟ قالت الشيخة هند: “لن أكذب عليك وأقول لك إننا بخير في ظلِّ الحصار، بالطبع لا. لدينا طلاب هنا متأثرون بالحصار بصورةٍ بالغة، وعائلات بأكملها تمزَّقت. إننا في وضعٍ مُحزِن”. وتأمل، مثلها مثل كل قطري آخر أتحدَّث معه، أن يكون هناك حلٌّ للنزاع قريباً. وتقول: “إذا كان هناك شيءٌ إيجابي في الأمر، فهو فقط أنَّ الدافع الذي كان لدينا دائماً هنا من أجل الاستدامة الذاتية في أوج حالاته الآن”. لم يتغير الهدف، كما تقول، “ولكننا الآن نركض بدلاً من السير”.

عربي بوست