15 عاماً مرت على هجمات الدار البيضاء الدامية عام 2003 التي هزت المغرب وكان أغلب المهاجمين ينحدرون من حي سيدي مومن الذي ارتبط اسمه بالجريمة والتطرف. دوتش فيليه عربية زارت هذا الحي لترصد ماذا تغير

“أحاول جاهداً أن أمحو تلك المرحلة من حياتي. إنها نقطة سوداء في ماضينا”، يقول خالد (اسم مستعار)، البالغ من العمر 36 عاماً كان يعيش في الحي الصفيحي “السكويلة في سيدي مومن، حيث خرج أغلب المتورطين في التفجيرات الدامية التي هزت مدينة الدار البيضاء بالمغرب في 16 ماي 2003 وأسفرت عن مقتل 45 شخصاً من بينهم 11 انتحارياً.

كان خالد ضمن شباب كثر تحلقوا حول الفكر المتطرف خلال تلك الفترة، ويقول خالد في حوار مع دوتش فيليه عربية: “كان المتشددون يلاحقوننا بعد الصلاة ويدعوننا إلى جلسات دينية، ويذهبون أيضاً إلى الأمكنة التي يجتمع فيها المدمنون والمنحرفون في الحي، ما أزال أتذكر كيف تحول عدد كبير من شباب الحي من منحرفين إلى متشددين”.

اعتدى على شقيقه لأنه كان برفقة فتاة

يضيف خالد: “كنت أحضر جلساتهم الدينية لقد جعلوني إنساناً أخر، أخبرونا بأنه من الضروري تغيير المنكر بالفعل، لقد تغيرت معاملتي لشقيقاتي وللجيران كنت متعصباً جداً، ما أزال أتذكر أحد أبناء الحي الذي اعتدى على شقيقه لأنه كان برفقة فتاة، معتقداً أنه بذلك غير المنكر”. كان من الصعب على خالد سرد تفاصيل تلك المرحلة الحساسة من حياته التي انتهت باعتقاله جراء حملة مداهمات طالت متطرفي المنطقة عقب أحداث 16 ماي الدامية.

“كانوا يستغلوننا فقط”

وعن الأسباب التي دفعته إلى ترك الفكر المتطرف، يقول خالد ” كانت شقيقتي الصغرى ستتزوج آنذاك، وخلال اعتقالي رفض خطيبها الزواج منها بسببي، أحسست بالألم جراء ذلك”.

يعتبر خالد أن نبذ المجتمع له ولعائلته وإحساسه بأنه تعرض للاستغلال من قبل أولئك المتشددين دفعه إلى التخلص من تلك الأفكار المتطرفة. ويشير خالد “أحداث 16 ماي وما نجم عنه من ضحايا، ومعاناة عائلتي وأسر الشباب الذين فجروا أنفسهم، كل ذلك جعلني أدرك بأن تلك الأفكار المتطرفة لا علاقة لها بالدين الإسلامي وأنهم كانوا يستغلوننا فقط” .

ويشتغل خالد في التجارة الآن بعد ما تخلى عن تلك الأفكار المتشددة. ويقول في هذا السياق: “كان من الصعب عليَّ التعافي من تلك المرحلة الصعبة لكن نجحت في نهاية المطاف”.

ّيرافقني خالد في جولة بحي مشروع السلام بسيدي مومن، حيث استفاد أبناء حي السكويلة الصفيحي من السكن، “لم يتغير المشهد كثيراً”، يقول خالد، مضيفاً: “انتقلنا من السكن العشوائي إلى بنايات عشوائية بنفس نمط العيش السابق. هذه المنطقة ماتزال مهمشة ويعاني أغلب سكانها من الفقر وغياب الفضاءات العمومية”.

هروب من الواقع إلى المخدرات

الوضع في حي “الرحامنة” الصفيحي بسيدي مومن لا يختلف كثيراً، حيث لا يزال السكان يعيشون في السكن العشوائي، أكوام من النفايات تحاصر البيوت القصديرية، رائحة تزكم الأنوف، وخبز حاف منتشرة على الأرض، يتاجر فيه السكان لتأمين لقمة العيش، وعربات مجرورة تعرض الخضر والسمك، تجمعات شبابية في كل مكان من بينهم من يتعاطى المخدرات، بينما يكتفي البعض الآخر بمراقبة المارة.

إبراهيم كرو ناشط مدني، وأحد أبناء الحي الذي عاش تفاصيل تلك الأحداث الدامية من حي سيدي مومن. يشعر كرو بالحزن على حال منطقته وشبابها، ويقول في هذا السياق لـدوتش فيليه عربية: “خلال تلك المرحلة كان الشباب يتوجه إلى التطرف. أما الآن فقد أصبحوا يدمنون على المخدرات، كما أن جميع أنواع المخدرات توجد في المنطقة ما يتسبب في انتشار الجريمة”.

ويضيف كرو بنبرة يعلوها الغضب: “الشباب هنا يهربون من واقعهم بالمخدرات”. وصمة عار يتابع الناشط المدني كرو قائلاً: “لم نلمس أي تغيير باستثناء أن الحي تحول إلى مجموعة من الكتل الإسمنتية، الطرق مهترئة، دور الصفيح ما تزال كما كانت باستثناء السكويلة وكاريان طوما المقامة منازلهما من الصفيح”. وأشار كرو إلى أن حي سيدي مومن يضم شريحة كبيرة من الشباب، أغلبهم من حاملي الشهادات الذين يعانون من البطالة، لافتاً إلى أن وصمة عار أحداث 16 ماي ما تزال تلاحق ساكني الحي.

يشار إلى أن السلطات المغربية دشنت في 2015 سادس مركزاً للتكوين المهني متعدد التخصصات بحي سيدي مومن، ليستفيد الشباب المنحدرين من أسر فقيرة والمنقطعين من التكوين بهدف إدماجهم في سوق العمل. وكانت أحداث 16 ماي قد عجلت بإطلاق عملية إعادة الهيكلة وتوفير السكن اللائق التي استفاد منها سكان المجمعات العشوائية السكويلة وطوما، حيث خرج معظم المتورطين في تلك الهجمات الدامية.

تطبيع مع الجريمة والمخدرات!

من جانبه يعزو رضى أمحاسني، مختص في علم النفس، انتشار الجريمة والمخدرات في حي سيدي مومن في حديثه مع دوتش فيليه عربية إلى أن منظومة القيم السائدة في الحي أكثر تطبيعاً مع الجريمة والمخدرات، معتبراً أن ذلك راجع إلى أن الأطفال يترعرعون في وسط يعيش فيه تاجر المخدرات وضعاً مادياً أفضل من العامل البسيط الذي يعاني من ظروف اجتماعية صعبة.

وعن أسباب انتشار التطرف في منطقة سيدي مومن يوضح أمحاسني قائلاً: “لا يمكن أن نكتفي فقط بذكر السبب الاقتصادي”، مشيراً إلى أن “شباب سيدي مومن يعانون من الهشاشة النفسية وغياب العقل النقدي”.

تغيير المناهج

ويوضح المختص في علم النفس أن “عدم اهتمام المؤسسات التعليمية بتنمية العقل النقدي لدى الشباب والأطفال في المقابل نجد تكريس ثقافة الحفظ إلى جانب القيم الإقصائية للأخر المختلف عنا، وتكفيره هي من تساهم في إنتاج أفراد لديهم قابلية لتبني الفكر المتشدد والاعتقاد بأن العمليات الانتحارية ستجعلهم يفوزون بحور العين والجنة”.

ويدعو المختص في علم النفس إلى ضرورة تغيير المناهج الدراسية وتوعية الأطفال والشباب “بأهمية حب الحياة والاندماج في المجتمع، لكي لا يكونوا فريسة سهلة لجماعات متطرفة أخرى”.

الحق في العيش الكريم

وشدد أمحاسني على ضرورة توفير العيش الكريم لهذه الفئة، مشيراً إلى أن “هؤلاء الشباب ترعرعوا في سكن غير لائق ينامون في غرفة واحدة حيث العلاقة الحميمية بين الأب والأم ليست ببعيدة عن أنظارهم ومسامعهم، ما يجعلهم يفتقدون لتوازن النفسي والتربية السوية”. واعتبر المتحدث ذاته أن مبادرات الجمعيات لدعم الفئات الهشة في سيدي مومن غير كافية بسب الكثافة السكانية الكبيرة في المنطقة، مؤكداً على “ضرورة تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية إلى جانب التوازن العائلي، وتغيير المناهج الدراسية لتكوين جيل أكثر انفتاحاً على آخر ومتسلحاً بالعقل النقدي”.

 

موقع دويتشه فيله / الهام الطالبي