من خلال المعاينة الأولية لمدينة الورود “المحمدية” تبدو الانبعاثات الصادرة عن مداخن المحطة الحرارية سوداء اللون وتغطي بكثافة المنطقة الصناعية للمحمدية، وهو ما يؤكد أنها غنية بالجزيئات الملوثة. المحمدية التي كانت تحمل اسم “فضالة”، تحولت إلى قطب لصناعة النفط والمواد الكيماوية وانصهرت بسرعة فائقة في المحور الصناعي البرنوصي ـ عين السبع مشكلة معه أكبر شريط للمعامل والشركات الكبرى بين الدار البيضاء والقنيطرة، بعد أن زارها الملك الراحل محمد الخامس سنة 1960 لتدشين محطة “سامير” لتكرير البترول. كشفت بعض المعطيات عن أن النساء اللواتي يقطن قرب المنطقة الصناعية بالمحمدية، خاصة في دوار “لشهب” ودوار “وردة”، أصبن بسرطان الثدي. كما ذهبت التقارير إلى أن 80 في المائة من سكان تلك الدواوير يعانون من أمراض مثل الحساسية والربو. وربط بعض الأطباء الأمر بالنفايات الصناعية والانبعاثات السامة الصادرة عن بعض الوحدات الصناعية التي تتمركز في المنطقة، بينما أكد مسؤول بوزارة الصحة أن الإحصائيات الرسمية تشير إلى حالات فقط من الإصابات بداء سرطان الثدي في كل من دوار “لشهب” ودوار “وردة”، تم اكتشافها بفضل حافلة الفحص التي أطلقتها مؤسسة لالة سلمى لمحاربة داء السرطان، وأن لا علاقة لها بالنشاط الصناعي بالمنطقة. فجرت تلك التقارير موجة من الانتقادات للسلطات بمدينة المحمدية، سواء من طرف السكان أنفسهم أو من طرف فعاليات المجتمع المدني التي تمثلهم، فلأول مرة يرتبط الحديث عن التلوث بالمنطقة بداء السرطان، وهذه المسألة أججت المخاوف وحركت من جديد المطالب بفتح تحقيق في الموضوع. غير أن هذه الزوبعة سرعان ما هدأت تحت ضغط وتطمينات السلطات التي، ورغم ذلك، لم تجب صراحة عن سؤال هل فعلا أصبح سكان هذه المنطقة عرضة للسرطان والأمراض التنفسية نتيجة التلوث الصناعي؟ انبعاثات بحجم السرطان في الجهة المقابلة لمحطة تكرير النفط “سامير” وشركة البيتروكيماويات “سنيب” والمحطة الحرارية على الطريق الساحلية للمحمدية تقع دواوير “لشهب” و”وردة”. تجمعات سكنية تضم أكثر من 2000 نسمة يؤكد قاطنوها أنهم عرضة لأبشع حملة لتلويث المنطقة منذ الاستقلال. غير أن هذا الإجماع “غير العادي” والقلق الصحي الجماعي لا يوازيهما بالضرورة وعي حقيقي بالمخاطر الصحية والبيئية التي تتهدد السكان لدى السلطات، فهذه الأخيرة ما فتئت في تقاريرها تؤكد أن مستويات التلوث في المنطقة تحترم المعايير ولا تشكل خطرا على حياة السكان. وفي تقصينا للوضع الصحي لسكان الدواوير المجاورة لمدينة المحمدية، صادفتنا حالات عدة لمتضررين من انبعاثات شركات الكيماويات بالمدينة، وكانت خديجة البالغة من العمر 44 سنة إحدى المتضررات من سموم المصانع الكيماوية، حيث تقول “أعاني من سرطان الثدي لأزيد من 3 سنوات، وأحمل كل المسؤولية للشركات التي تخرج من جوفها السموم وتلحق بنا أضرارا صحية بالغة”. رشيد، شاب من سكان دوار “لشهب” يبلغ من العمر 37 سنة. استقر هذا الشاب بالمنطقة منذ حوالي 25 سنة، وهو الآن المعيل الوحيد لأمه البالغة من العمر 74 سنة، والتي تعاني منذ سنوات من مرض “الربو”. يقول “والدتي خير دليل على المعاناة التي يكابدها سكان دواري وردة ولشهب، فمنذ حوالي 20 سنة أصيبت بمرض الربو، وإلى الآن مازالت تتلقى العلاجات” يقول رشيد، مضيفا: “أتحدى السلطات أن تقوم بإحصاء عدد المرضى بمرضي الربو والحساسية في الدوار، فحوالي 90 في المائة منهم مصابون، والخطير أن هناك أمراضا أخرى بدأت تظهر في الآونة الأخيرة في المنطقة مثل السرطان والقصور الكلوي”. سكان دواري “لشهب” و”وردة” يشاطرون أحمد الرأي، فالكل يجمع على أن الوضع الصحي بالمنطقة مقلق. تحدث إلينا محمد علياطي الاختصاصي في الأمراض التنفسية، والذي يتابع الحالة الصحية لعدد كبير من المرضى بالمنطقة- منهم على الخصوص نسبة مهمة من الأطفال المصابين بالحساسية وضيق التنفس- عن الوضع الصحي لسكان المحمدية والدواوير المجاورة لها، وأكد لنا أن حوالي 70 في المائة من سكان الشريط الساحلي القريب من المنطقة الصناعية للمحمدية مصابون بأمراض الربو والتنفس نتيجة الانبعاثات السامة التي تصدر عن المعامل الصناعية، لكنه استبعد أن تكون هذه الانبعاثات سببا في تزايد عدد حالات الإصابة بالسرطان في دواري “لشهب” و”وردة”. من جانبه اعتبر مسؤول بعمالة المحمدية أن نسب الإصابة بمرضي الربو والحساسية اللتين تحدث عنهما الدكتور مبالغ فيها، وأكدوا أن محطتي قياس نسب التلوث الموجودتين بكل من العمالة بالمنطقة السفلى وبمدرسة الخنساء بالعالية، لا تسجلان أي تجاوز في المعايير المعمول بها بيئيا، وبالتالي لا يمكن الحديث عن عدد كبير من المصابين بالأمراض التنفسية في غياب مسببات هذه الأمراض. “سنيب”،”سامير” والمحطة.. مثلث التلوث الكل يتهم الوحدات الصناعية الكبرى المتمركزة بالشريط الساحلي للمحمدية، وعلى رأسها مصفاة تكرير النفط “سامير” وشركة البتروكيماويات “سنيب” والمحطة الحرارية التابعة للمكتب الوطني للكهرباء، بالوقوف وراء مشكل التلوث الذي تعاني منه المحمدية والمناطق القريبة منها، لكن هل بالفعل جميع هذه الوحدات متورطة؟ محمد غياث، مدير الموارد البشرية بشركة “سامير” أكد أن الشركة تقوم بمجهود كبير في مجال حماية البيئة، فقد انخرطت الشركة حسب تصريح غياث، في منظومة متكاملة تقوم على تحسين جودة منتجاتها عبر الانتقال إلى إنتاج البنزين الخالي من الرصاص والغازوال 10 بي بي إم عوض الغازوال 50 بي بي إم، إضافة إلى تحديث وعصرنة مصفاتها، وهو ما مكنها من تخفيض انبعاثاتها من ثاني أوكسيد الكبريت بحوالي 53 في المائة لتظل في مستويات منخفضة جدا تقل بكثير عن المعايير الوطنية التي تضعها وزارة البيئة. وقال غياث “إن النسبة المتبقية من ثاني أوكسيد الكبريت تخضع للمعالجة قبل تصريفها في الجو، وهو الأمر الذي تؤكده معطيات صادرة عن المختبر العمومي للتجارب والدراسات، حيث تشير جداول العينات التي قام بدراستها على مستوى الشركة إلى أن انبعاثات “سامير” تقتصر فقط على مستويات ضعيفة من ثاني أوكسيد الكبريت وكذا بخار الماء، ونسبة ضئيلة من ثاني أوكسيد الكاربون ناتجة عن وحدة حرق الوحل المتبقي من عملية تكرير النفط”. وبالإضافة إلى وحدات معالجة الانبعاثات الغازية، تتوفر “سامير” على وحدة لمعالجة المقذوفات السائلة التي ترمي بها في البحر، وهي عبارة عن مياه معالجة مائة في المائة، وقد وضعت الشركة برنامجا من أجل إعادة استغلال هذه المياه مستقبلا. والملاحظ أن المغرب لا يتوفر على أية معايير مضبوطة بخصوص النفايات التي ترميها الوحدات الصناعية في السواحل. فحسب مصدر مقرب، لا تخضع عمليات التخلص من النفايات الصناعية في البحر لأية مراقبة من طرف وزارة الطاقة والمعادن والماء والبيئة، كما لا تخضع لأي قوانين أو معايير كما هو الشأن في باقي البلدان. ويؤكد المصدر ذاته أن هذه الوضعية تفتح المجال أمام بعض الوحدات الصناعية غير المسؤولة للتخلص من نفاياتها الصناعية بشكل عشوائي في البحر، وهو ما يشكل خطرا حقيقيا على الوضع البيئي في الشواطئ المغربية، ويهدد حياة عدد كبير من المصطافين والكائنات البحرية. من جانبه أكد مسؤول من شركة “سنيب” على انخراط الشركة في برنامج لحماية البيئة واحترام المعايير المعمول بها في هذا المجال، وكذا في الميثاق البيئي لمجموعة “يينا هولدينغ”، وهو ما مكن الشركة من الحصول على الجائزة الأولى للمحافظة على البيئة في إطار إحدى البرامج الألمانية. وانطلاقا من المعطيات الصادرة عن مختبر “التلوث السمي والمخاطر الصحية”، الذي يشرف على الدراسات البيئية التابعة لـ”سنيب”، ثبت أن الشركة ما زالت تصرف نسبة تقدر بـ 0.15 ملغ في اللتر من الزئبق، وهو ما يؤكد استمرار استخدامها لعناصر تحتوي على الزئبق، كما أن خبيرا في العناصر الثقيلة أكد أن انقطاع الشركة عن استعمال الزئبق في عملياتها الإنتاجية لا يعني أن هذا الزئبق سيختفي من الشواطئ التي كانت الشركة ترمي فيها مقذوفاتها السائلة، وبالتالي، فإن احتمال وجود الزئبق في سواحل المحمدية نتيجة المقذوفات السائلة التي كانت ترمي بها “سنيب” قبل استخدامها لوحدة التحليل الكهربائي بغشاء يبقى واردا بقوة. ولابد من الإشارة هنا إلى أن الدراسات تؤكد أن إنتاج غاز الكلور والصودا بالتحليل الكهربائي لمحلول الملح يتطلب استهلاك كميات هائلة من الزئبق كقطب كهربائي غير ثابت، فالمصنع الذي ينتج مائة طن من غاز الكلور في اليوم يستخدم كمية من الزئبق تتراوح بين 30 و60 طنا. ووفقاً لبعض التقديرات، فإن مصنعا كهذا يسرب للبيئة ما يقرب من 0.17 كلغ من الزئبق مقابل إنتاج طن واحد من غاز الكلور. وأبانت الدراسة التي أنجزتها وزارة البيئة عن معلومات دقيقة حول الانبعاثات الصادرة عن المحطة، إذ أن المحطة الحرارية للمحمدية تستهلك حوالي 700 طن من الفحم في السنة ينتج عنها ما يقارب 770 كيلوغراما من نفايات الرصاص تقذف في الهواء و1330 كيلوغراما ترمى في التربة، بالإضافة إلى133 كيلوغراما من نفايات الزئبق تقذف في الهواء. كما تستهلك المحطة، كذلك، 420 طنا من الفيول في السنة ينتج عنها حوالي 546 كيلوغراما من نفايات الرصاص تصرف في الهواء و420 كيلوغراما من الزئبق تقذف هي الأخرى في الهواء. وبالتالي، فمن خلال هذه المعطيات يتأكد أن المحطة الحرارية التابعة للمكتب الوطني للكهرباء تبقى المتهم الرئيسي بتلويث هواء المحمدية والمناطق المجاورة، في حين يظل احتمال أن “سنيب” هي المسؤولة عن تلوث شواطئ المحمدية قائما على اعتبار أنها الوحدة الصناعية الوحيدة التي كانت تصرف مقذوفاتها السائلة التي من المحتمل أن تحتوي على نسب كبيرة من الزئبق في مياه البحر. أرقام ملوثة وزارة البيئة أعدت دراسة منذ سنة 2003 من أجل تقييم مدى تأثير التلوث الهوائي على صحة فئة من المواطنين الأكثر حساسية للتلوث، ونعني بذلك الأطفال المصابين بالربو. خلال هذه الدراسة تم تتبع مؤشرات التلوث الهوائي والمتمثلة في أول وأوكسيد الكربون، وأوكسيد الأزوت، وثاني أوكسيد الكبريت، والمواد الدقيقة المحمولة والأوزون. كما تم بالموازاة مع ذلك تتبع الحالة الصحية لمجموعة من الأطفال المصابين بالربو اختيروا من داخل المؤسسات التعليمية التابعة لمدينة المحمدية بشرط أن تتراوح أعمارهم بين 11 و16سنة. وحسب ذات الوزارة، فقد تم تسجيل المعطيات عبر وحدة متنقلة بوسط مدينة المحمدية، وتم اعتبار مستويين للتلوث، لقياس التأثيرات على الصحة وهما: مستوى أدنى (1 ملغ من ثاني أوكسيد الكبريت في المتر المكعب من الهواء)، ومستوى مرتفع (70.5 ملغ من ثاني أوكسيد الكبريت في المتر المكعب من الهواء). وطيلة المدة المخصصة لدراسة العينات تم تسجيل معدل لثاني أوكسيد الكبريت في حدود 20.9 ملغ في المتر المكعب، بينما بلغ المعدل بالنسبة لأوكسيد الأزوت 8.5 ملغ في المتر المربع، في حين استقر معدل المواد الدقيقة والأوزون في 43.6 ملغ في المتر الكعب. وكخلاصة للدراسة، تبين أنه عند ارتفاع نسبة التلوث من مستوى أدنى (1 ملغ من ثاني أوكسيد الكبريت في المتر المكعب من الهواء) إلى مستوى مرتفع (70.5 ملغ من ثاني أوكسيد الكبريت في المتر المكعب من الهواء)، يلاحظ ارتفاع مؤشرات حدوث نوبات الربو بـ 41.3 في المائة ومؤشرات حدوث الكحة الجافة الليلية بـ 53.9 في المائة. شكلت هذه الدراسة إقرارا ضمنيا من طرف وزارة البيئة بوجود مستويات مهمة من التلوث بمدينة المحمدية، غير أن عملية أخذ العينات، والتي تمت وسط المدينة بعيدا عن الوحدات الصناعية تؤكد أن مستويات التلوث قرب دواري “لشهب” و”وردة” ستكون أكبر بكثير، وهو الأمر الذي ستؤكده مضامين دراسة أنجزت من طرف مكتب الدراسات B2IS لفائدة المديرية العامة للمراقبة والوقاية من المخاطر، قطاع البيئة، كتابة الدولة المكلفة بالماء والبيئة التابعة لوزارة الطاقة والمعادن والماء والبيئة، والتي تم التحفظ عليها ولم يتم نشرها بسبب نتائجها الخطيرة. ما جاء في الدراستين الصادرتين عن وزارة البيئة يؤكد بالملموس أن شريط المحمدية ـ البرنوصي ـ عين السبع من بين أكثر المناطق تلوثا في المغرب، والخطير في الأمر أن المواد الملوثة التي تحدثت عنها الدراستان تعتبر من بين العناصر الثقيلة التي تصنف في خانة المواد الفتاكة والقاتلة، خاصة إذا ما استمر استنشاقها والتعرض لها لفترات طويلة. الرصاص والزئبق.. الثنائي الفتاك يصنف كل من الرصاص والزئبق على المستوى العالمي من بين أخطر الملوثات على صحة الإنسان. وتعد هذه المعادن شديدة السمية بسبب خصوصياتها الكيميائية في مختلف الأوساط البيئية والبيولوجية، حيث تنفذ هذه المواد إلى جسم الإنسان انطلاقا من قناتين رئيسيتين هما الاستنشاق والابتلاع. وللرصاص والكدميوم والزئبق القدرة على الوصول إلى “الأجهزة المستهدفة” المفضلة والتراكم داخلها، محدثة في وظائفها البيولوجية على المدى الطويل….. وتظهر دراسات عديدة أن التعرض للتلوث بسبب الرصاص والزئبق يمكن أن يؤثر على الجهاز العصبي وعلى وظائف الكلي والكبد والجهاز التنفسي والقدرة الإنجابية. ويعد الأطفال الصغار والنساء الحوامل هم الأشخاص الأكثر عرضة للآثار السلبية لهذه المواد التي تصيب في الغالب الجهاز الهضمي، القلب والأوعية الدموية، الكلي، والغدد الصماء. وعند البشر، تصيب سمية الرصاص بشكل رئيسي الجهاز العصبي المركزي والمحيط، ويمكن أن يكون الرصاص ساما بالنسبة لدورة الإنتاج، وأعراضه مختلفة وغير محددة، بل وحتى خفية في بعض الحالات. أما الزئبق، فسميته معروفة منذ العصور القديمة، فهو معدن نشيط جدا في البيئة التي يتواجد بها، ويمكن أن يرتبط بالجزيئات المكونة للخلية الحية (الأحماض النووية والبروتينات…) فيؤدي ذلك إلى تغيير في بنيتها أو إعاقة نشاطها البيولوجي. يمكن أن يتجاوز تركيزه 14 ملغ وهي قيمة عالية بالنسبة لجميع الفئات العمرية. احتمال تأثر السكان بالتلوث قائم ولا يمكن تفاديه، وبالتالي، فالدولة يجب أن تفكر بجدية في إيجاد بديل للسكن بالنسبة لهذه الفئة من قاطني المحمدية التي تعتبر الأكثر تأثرا بمستويات التلوث العالية. غير أنه إذا كان من الصعب، ترحيل المصانع والمؤسسات الملوثة من مكان وجودها الحالي بالمنطقة الصناعية للمحمدية، فإنه يتوجب، على الأقل، على هذه الوحدات أن تتحمل تبعات الأضرار التي تسببها لصحة السكان وتغطي ولو جزء من الفاتورة الصحية لأنشطتها القاتلة للبيئة .

المصدر :المغرب اليوم