على عكس ما راج في الأسابيع القليلة الماضية، استخرج أول برميل نفط في المغرب سنة 1919 بمنطقة «سلفات» شرق مدينة المحمدية، التي كانت تعرف قبل سنة 1960 بفضالة، لتحمل ابتداء من  زيارة الملك محمد الخامس للمدينة في نفس السنة اسم المحمدية نسبة للملك، ولم يكن البرميل المستخرج هو الأول في المغرب فقط، بل كان الأول في العالم العربي كله، وعلى إثر هذا الاكتشاف تأسست الشركة الشريفة للبترول بالمحمدية، وهي نفسها التي ستتحول فيما بعد إلى شركة «لاسامير» لتكرير البترول، وتتحول معها المحمدية إلى مدينة تصنيع المواد البترولية، حيث تأسست شركة «سنيب» المتخصصة في الصناعة البيترو كيماوية.
تعتبر المحمدية، اليوم، قطبا صناعيا وازنا في الاقتصاد المغربي، حيث تحولت «مدينة الورود» إلى مجمع نفطي بامتياز، أيضا تعتبر المحمدية امتدادا للقطب الصناعي الدار البيضاء، وتناسلت المصانع بشكل كبير على طول الشريط الساحلي الرابط بين المدينتين، إلى درجة يمكن معها وصف الرابط بين المدينتين بـ»الحدود الصناعية»، غير أن التكلفة الاجتماعية والبيئية كانت باهظة، فمن يتحمل هذه التكلفة؟
حسب المعطيات الرسمية التي حصلت عليها «المساء»، فإن عدد المصابين بأمراض الجهاز التنفسي  والأمراض الصدرية، بلغ متم السنة الماضية (2013) عشرة آلاف حالة من مجموع سكان المحمدية التي تبلغ 378000 نسمة، أي بنسبة مرض تناهز 2.6% من مجموع السكان، في المقابل، تتوفر عمالة المحمدية كاملة، على طبيبين فقط مختصين في الأمراض التنفسية من أصل 112 طبيبا، 54 منهم في الطب العام، بينما ينحصر عدد الممرضين في 210 ممرضين وممرضات.
عمالة المحمدية التي تعرف نموا ديمغرافيا سريعا، نتيجة «هجرة» أعداد كبيرة من سكان الدار البيضاء نحوها لأسباب اقتصادية بالدرجة الأولى، تتوفر على مستشفى واحد فقط بسعة 148 سريرا، إضافة إلى 7 مراكز صحية حضرية، 5 منها في مدينة المحمدية، بينها مركز تشخيص داء السل والأمراض الصدرية، ومركزين بعين حرودة، و6 مراكز أخرى تتوزع على الجماعات القروية التابعة للعمالة، فيما توجد بالمدينة مصحتان خاصتان بسعة 46 سريرا، و 102 عيادة خاصة و6 مختبرات طبية.
 
 وضع صحي صادم 
في ظل الخصاص
الأرقام التي توصلت إليها «المساء»، رغم صعوبة المهمة، تبين بالواضح أن حجم الخصاص مهول، طبيبان مختصان لـ 10000 مصاب سنويا، في مدينة تعاني نسبة تلوث كارثية، رقم صادم، علما أن الأرقام السالفة تتعلق فقط بالمرضى الذين يتوجهون للمستشفى والمراكز الصحية العمومية، بينما تبقى الحالات المسجلة لدى الطب الخاص غير معروفة. مصدر مسؤول بوزارة الصحة كشف لـ»المساء» أن المستفيدين من الطب العمومي، هم في الغالب من الفئات الفقيرة، التي لا تتوفر على تكلفة العلاج بالمصحات الخاصة، ولا تتوفر على الضمان الاجتماعي، المصدر ذاته الذي فضل عدم الكشف عن هويته نظرا «لحساسية» الموضوع، حسب تعبيره، أكد لـ»المساء» أن جل المصابين بأمراض الجهاز التنفسي والأمراض الصدرية، قادمون من المناطق السكنية التي تعرف اكتظاظا كبيرا، مثل الأحياء الصفيحية والتجمعات السكنية المجاورة للمنطقة الصناعية المحمدية.
الوضع الصحي المقلق، الذي يعيشه سكان المحمدية، يتجاوز وزارة الصحة، حسب الدكتور الناصري، المندوب الإقليمي لوزارة الوردي، فالأخيرة تتكلف بعلاج المصابين بداء السل بشكل كامل، لكنها لحدود اللحظة لا توفر علاجا خاصا للمرضى المصابين بأمراض تنفسية أخرى، وأضاف المسؤول أن أدوية داء السل لا تتوفر في الصيدليات، وأن تدخل الوزارة استباقي بالدرجة الأولى، نظرا إلى خطورة الداء وسهولة انتشاره، الداء الذي يصيب الكثيرين نتيجة تفاقم الأمراض التنفسية والتعفنات الصدرية، ينتشر أيضا في الأوساط الفقيرة. ومن الأمراض التي توليها وزارة الصحة اهتماما خاصا حسب المسؤول ذاته، سرطان الثدي، سرطان عنق الرحم، وسرطان الرئة لدى الرجال، وهي أمراض يصعب ربطها بالتلوث البيئي، حسب المسؤول ذاته، رغم أنها قد تكون نتيجة تطور أمراض أخرى ناتجة عن التلوث.
المشاكل لا تنتهي عند هذا الحد، فالمركز الوحيد لتشخيص داء السل والأمراض الصدرية، يعرف اكتظاظا كبيرا، وغير كاف بالمرة لتلبية الحاجيات الطبية لـ10000 مريض، ينضاف إلى ذلك، التعقيدات الإدارية عندما يتعلق الأمر بالتسجيل في لوائح بطاقة «راميد»، إذ يخصص شباك واحد لتسجيل عشرات المرضى الذين يفدون على المركز بشكل يومي، حسب ما عاينته «المساء»، ولا يسمح للزوار بالتسجيل في سجلات «راميد» إلا في اليوم الذي تحدده إدارة المركز لرؤية الطبيب، كما أن المرضى يصطدمون أحيانا بغياب الطبيبين، أو أحدهما، فعندما زارت «المساء» المركز رفضت الطبيبة الوحيدة بالمركز استقبالنا، وطلب منا انتظار حضور الطبيب الثاني الذي كان في عطلة، بداعي أنه الوحيد المخول له الحديث إلى الصحافة، بينما كان العشرات من المرضى ينتظرون عند بوابة المركز في انتظار فرصة لقاء الطبيب.  
 
 المجتمع المدني يتهم..
أكد المندوب الإقليمي لوزارة الصحة، في لقاء مع ممثلي المجتمع المدني في التاسع من الشهر الجاري، وبعد أسبوعين من تعيينه مندوبا  لوزارة الصحة بمدينة «الورود»، أن الوزارة غير قادرة وحدها على استيعاب تفاقم الوضع الصحي لسكان المحمدية، خاصة في ظل الخصاص الذي يعانيه القطاع على المستوى الوطني، حيث كشف المسؤول ذاته لـ»المساء»، أن القطاع يحتاج  بشكل عاجل لـ 7000 طبيب، و9000 ممرض على المستوى الوطني، في حين لم تخصص الحكومة في قانون المالية الحالي سوى 2000 منصب شغل في قطاع الصحة، بينهم أطباء، ممرضون، وإداريون… في المقابل يعاني القطاع خصاصا كبيرا على مستوى البنيات التحتية والتجهيزات الطبية، خاصة في المدن التي تعرف نسب تلوث كبيرة كمدينتي المحمدية وآسفي، التي تعتبر من المدن المعرض سكانها لأمراض ناتجة عن النفايات النفطية والكيماوية، نفايات تتسبب في أمراض خطيرة ومزمنة.
وبهدف توسيع مجال الخدمات الصحية بمدينة المحمدية، تستعد الوزارة لتنفيذ 3 مشاريع مراكز صحية بالمدينة، وتحتاج هذه المراكز الثلاثة لـ 6 أطباء على أقل تقدير حسب مندوبية وزارة الصحة، رغم أن هذه المشاريع غير كافية بالمرة.
معضلة التلوث البيئي، التي تخلف الكثير من الضحايا، تعترف وزارة الصحة بأنها غير قادرة على حلها لوحدها، والأكثر من ذلك أن مسؤولي القطاع ينظرون إلى وزارتهم كمن يدفع ثمن «خطيئة» لم يرتكبها، وتحديدا، تقول الوزارة، إن المسؤولين على تفاقم الوضع هم من يتوجب عليهم أن يتحملوا تكلفة هذه الآفة وفق قاعدة «من  يلوث يدفع ثمن العلاج»، رغم أن هذه القاعدة بعيدة جدا عن التطبيق في حالة المحمدية، والمواطن هو من يدفع الفاتورة من صحته وماله.
 فعاليات المجتمع المدني بالمحمدية، عبرت في محطات متكررة عن قلقها البالغ من «تصاعد» حدة التلوث البيئي بالإقليم، وتضع الجمعيات رهن إشارة سكان المحمدية ومسؤوليها ملفات دقيقة، ترصد الاختلالات والخصاص وتقدم بعض الحلول، حيث تطالب جمعيات فاعلة بإنشاء مستشفى أكبر لسد حاجيات السكان الصحية،  في ظل الخصاص والمشاكل العديدة التي يرزح تحتها مستشفى مولاي عبد الله، وفي هذا السياق، طالب ممثلو المجتمع المدني، في اللقاء السالف مع المسؤول الأول عن قطاع الصحة بالمحمدية، بتخصيص مليار سنتيم ، التي منحتها «لاسامير» للعمالة كمنحة للنهوض بقطاع البيئة، لتعزيز البنيات التحتية لقطاع الصحة بالمدينة، كما يطالب السكان بالتزام المصانع التي تنشط بالمدينة، بتخصيص ميزانية لإنشاء مساحات خضراء، وخلق آليات لدعم تطبيب المصابين بأمراض ناتجة عن التلوث.

وزارة البيئة تدق ناقوس الخطر
في دراسة  أنجزتها الوزارة المنتدبة لدى وزير الطاقة والمعادن والماء والبيئة، المكلفة بالبيئة،  صنفت الوزارة الوصية منطقة المحمدية كواحدة من النقاط السوداء من حيث التلوث البيئي، الدراسة كشفت أن «المياه الجوفية بالمنطقة جد متدهورة»، بسبب تفاقم التلوث، ورسمت الدراسة صورة قاتمة عن الحالة البيئية بالمحمدية،  ووجهت الوزارة اتهاما مباشرا للمصانع الموجودة بالمحمدية وفي مقدمتها شركة «لاسامير»، «سنيب» ومصانع الجلود، بتحويل المجاري المائية (واد المالح أساسا) إلى مطارح للنفايات  الهامدة  والنفايات الخطيرة، وأضافت الدراسة أن «المطارح العشوائية، التي تستعملها الشركات المذكورة،  تتسبب في عدة مشاكل بيئية منها تلوث المياه الجوفية وانتشار أمراض خطيرة».
 الأرقام الصادمة التي كشفتها الدراسة تظهر أن  كمية النفايات الصناعية وصلت إلى  93277 طنا، والنفايات الصحية 1030 طنا،  بينما لا تتوفر المنطقة على  وحدات خاصة لمعالجة هذه النفايات، التي تتسرب للمياه الجوفية وكذلك إلى البحر، وتشكل بذلك خطرا داهما يهدد السلامة الصحية للسكان. وتحدثت الدراسة أيضا عن تسرب كميات ضخمة من صديد النفايات نحو المياه الجوفية،  المعطيات الرسمية التي حصلت عليها «المساء»، تكشف دون كلل أن منطقة المحمدية وسواحلها تحولت إلى مطرح كبير للنفايات، حيث لم تظهر بعد أي نتائج ملموسة للتدابير التي تقول الشركات إنها تنهجها لمطابقة نشاطها الصناعي مع الشروط البيئية،  فالمنطقة الساحلية المحمدية  التي تستقبل كلا من وادي «النفيفح» ووادي «المالح» تعرف نسبة تلوث كارثية، نتيجة  تحول مصبات هذين الواديين إلى  مصرف للمياه  الصناعية  والحضرية  المحملة بالملوثات العضوية وغير العضوية،  بما فيها  المعادن الثقيلة، حسب الدراسة ذاتها.
 ولم تتوقف الدراسة التي شخصت الحالة البيئية بساحل المحمدية-عين السبع، عند  التلوث المباشر الذي لا  تغفله العين المجردة،  إذ صنفت  ضمن أخطر  النقاط التي تعرف تلوث الهواء، وكشفت الدراسة أن  المنطقة تعاني انبعاثات غازية خطيرة  جدا،  تؤثر سلبا على  صحة المواطنين،  نتيجة وجود الوحدات الصناعية الأكثر تلوثا بالمغرب، وحدات تنشط أساسا في الصناعات البترولية والبيتروكيماوية (سنيب، لاسامير)، وصنفت الدراسة هذه الغازات في  ثاني أكسيد الكاربون (CO2)،  ثاني أكسيد الكبريت (SO2)، وأكسيد الآزوط (NOx)، والجسيمات العالقة والمعادن الثقيلة (الكاديوم والرصاص).
 المعطيات الدقيقة التي توصلت إليها «المساء»، لا تشكل إلا جزءا من الصورة القاتمة التي ترسمها المصانع النشطة بالمحمدية، فالمغرب مازال في محاولاته الأولى للخطو في اتجاه وضع معايير مضبوطة، وقواعد صارمة تترتب عنها عقوبات، من أجل الحد من «رائحة الموت»، التي تنبعث من هذه المصانع العملاقة، رغم تعلل الكثير من المسؤولين الذين تحدثت إليهم «المساء»، بكون هذه الشركات تضمن للمغرب مستوى مهما من الاستقلالية في صناعات استراتيجية، مثل تكرير البترول، وتصنيع المواد الكيماوية الضرورية التي تحتاجها هذه الصناعات.
 الوجه الآخر من التطور الصناعي والأرقام «المتنامية» للأرباح التي تحققها هذه الشركات، لا يبعث على الارتياح مطلقا، خاصة وأن الحكومة ذاتها تقر بحجم الكارثة البيئية التي تسببها هذه الشركات،  فالمساحات الخضراء بالمنطقة لا تستجيب للحاجيات البيئية، ولا البنيات التحتية المتوفرة على علاتها، قادرة على استيعاب الأضرار، علما أن أصناف الأمراض المنتشرة نتيجة النفايات والانبعاثات السامة، والتي تشكل 18% من مسببات الأمراض، تزداد توسعا وانتشارا، حيث أجملت وزارة البيئة هذه الأمراض في صنفين، الصنف الأول  يندرج ضمن الأمراض المتنقلة مثل الأمراض التنفسية والصدرية، والتهاب المعدة والأمعاء، وهي أمراض يساهم التلوث الحاصل في دوامها وانتشارها على نطاق أوسع مع كل عام، والقسم الثاني يتعلق بالأمراض الوبائية التي تتحول إلى أمراض مزمنة، مثل أمراض القلب والشرايين، ارتفاع الضغط الدموي، السرطان ومرض السكري، وهي كلها أمراض تكلفة علاجها باهظة جدا ولا تتوفر في الغالب بالمستشفيات العمومية، بينما تؤكد المعطيات التي تتوفر عليها «المساء»، أن المصابين بهذه الأمراض غالبيتهم الساحقة من الفئات الفقيرة، والتي لا تتوفر على تغطية صحية، أو لا تستفيد من الخدمات الطبية لأسباب عديدة سبق وذكرناها في هذا الربورطاج.
مشكلة التلوث البيئي بالمحمدية لم تنته بعد، رغم المطالب المتكررة والملحة بالحد من المخاطر البيئية، التي يمكن أن توصل إلى كارثة بيئية واجتماعية أخطر مما هو حاصل اليوم، ومع كل سنة تمر، دون اتخاذ تدابير أكثر نجاعة، ودون «تحرير» المدينة من مداخن المصانع ومطارح نفاياتها السامة،
 يرتفع سقف المطالب، وتتفاقم الخسائر…