في كل مرة أجمع فيها حقائبي، أحاول الهروب نحو مفر أبدي، بحثا عن ترنيمة تعيد الحياة لأشجار العمر الذابلة، وعن باحة أحرر فيها صدى الحكايات الفائتة، أزرع فيها همساتي المبهمة….. للأسف أجدني مرة أخرى، أدخل في صراع حامي الوطيس مع الذاكرة، أحاول أن اطرد الرواسب والشوائب العالقة في جعبتها من فرط التفكير غير المجدي والانتظار اللامبرر، تائهة مجددا بين دهاليزها المظلمة، ومتأبطة أسئلتي المشؤومة وتساؤلاتي المحمومة.

فكلما حاولت أن افتح مزلاج رتاجها السميك، عجزت وانبطحت أرضا متلففة سوى وشوشات وطلاسم من رموز مشفرة تجعلني في حيرة من أمري….

ورغم كل ذلك، فهذا لا يعني أني انكففت واستسلمت لهلوساتي الخرقى وأفكاري الغرقى، لأنني مهما فشلت، ومهما هويت أرضا سأبحر في غياهيبها لعلي أجد ما يمحي أو يزيل ذاك النقش الموشوم في رحم الذاكرة.

فبعدما منحت لنفسي فرصة أخرى كي تنسى تلك الأوهام والأحلام التي تداعت كما حضارات الازتيك والإنكا والمايا، فرصة كي لا تتذكر تلك الأيام الخوالي وسهر الليالي…؛ أعاود الكرة مرة أخرى، كي امنحها جلدا وقوة عارمة وبصيص أمل، نبراسا يجعلني أنظر إلى الغد بكثير من الأمل والتطلع إلى حياة مشرقة. فرصة أفك فيها قيود الأغلال التي تكبلني… قيود من الماضي وأخرى من الراهن والآتي… فرصة أمحي فيها كل اللحظات السوداء التي لبدت غيوم سمائي.. فرصة أذيب فيها كل الذكريات المرة بطعم العلقم ….؛ لكن ذاك النقش الذي نحت في الذاكرة وقف حائلا دون تحقيق ذلك، وأبى أن يمنحني فرصة النسيان، وكأنه يعاندني على أن لا اطوي صفحات الماضي الدفين.

صعب علي أن أنسى بسهولة متناهية ما مضى وانقضى، يستحيل علي أن أنفض الغبار عن ذكريات وأفكار وهواجس عششت واستوطنت في رحم الذاكرة، عسير علي أن أقاوم تلك الصور التي أبت أن تخرج من رحم الذاكرة قسرا أو حتى اختيارا….

…..عزيمتي تستحيل سرابا وتخونني في أحيان كثيرة مدعنة راضخة لملتمسات الذاكرة.. ….صعب علي أن اصدر حكما بالإعدام في حق ذاتي، أن أحجر على أفكاري المختمرة أو حتى تلك التي ما زالت في مهدها تترعرع، يعز علي أن تنتحر خيالاتي وتهوى أرضا وتضيع في فراغ الخواء….

طواحين تمزق أجنحتي الملساء، تنقطع إربا، تصير أشلاء .. حتى تتماهى في الأفق وتبتعد.. صعب علي أن أغير تعاليم معادلة الأيام… وأنا أتذكر كل ما مر من أوقات علقت في رحم الذاكرة…

….تعجز عقارب بوصلتي عن تحديد اتجاه قبلتي، تاركة خطواتي تخبط خبط عشواء من الشمال إلى الجنوب، ومن الجنوب نحو المحال…نحو تلك اللحظة حين تعبر خطواتك نقطة الوصول، حين تحلق بنظراتك بين الأرجاء، حين يسقط رمشك بمحور اللاوعي، حين يحتلنا العشق ويمتزج الحزن بالزمن وتصير الحياة مجرد إمبراطورية كئيبة متعددة الأطراف. 

أتذكر كل تلك السنوات الكبيسة الحبيسة في نفسي. لا أستطيع أن أحذف منها يوما أو حتى بضع يوم، فأنا لست سوى استثناء من قاعدة الزمن العصيف… نشاز يعزف على أوتار الحياة المتماوجة.

قد أنسى ما خلدت في الأمس، وقد أتذكر في الغد، لكن سرعان ما يتلاشى كل ما تذكرت، كأنه خيدع ذهب أدراج الريح….أو قصيدة تتلى من خلف ستار…..
أحيانا أوهم نفسي بأني نسيت أو تناسيت، لكن سرعان ما تخذلني ذاكرتي، واسترجع ما لم ارغب في تذكره وتعقله… تقف الذاكرة في وجهي سدا منيعا وبابا موصدا، تأبى أن تمحي رموز الأسى والتعاسة والشقاء.. وتنسى كل لحظات السعادة والغبطة والحبور…

تمضي الأيام غير مكترثة بما يقض مضجعنا، تسلب معها أجمل لحظات سنوات العمر.. ترحل عنا غير آبهة بكل ما يحزننا أو يفرحنا… تدعنا مع ضنون الذاكرة وتقلباتها آخذة معها أسارير عنفوان الشباب… تاركة خلفها همهمات اللوم والعتاب… 

… ومع توالي السنوات تغذوا حياتي يبابا، وماضي الأمس غيبه الغياب، وحلم الحقيقة صار سرابا، والسراب في أوداجي صال حتى ذاب، والسنا أمسى نقعا وضبابا….

كيف السبيل إلى الخلاص إلى الإنعتاق من لحظات الفشل. كيف السبيل إلى التخلص من كل ركام الذكريات التي أبت أن تنعتق من رحم الذاكرة.. كيف السبيل وكل الطرق تؤدي إلى الموت بين ذاك الحطام…. كيف السبيل وليس في الجبة شيء … لا زاد ولا مفتاح … ولا جلباب يقيني من قر البرد وصهد العذاب المذاب في كأس عجاب… كيف، وكيف وكل أحلامي مشاعة، وآمالي لا زالت تقطن بذاك الكهف المظلم، تعيش طقوسها وأوهامها كيفما تشاء …. وقتما تشاء…..

كيف أخوض حربا قد هزمت فيها جميع السيوف، كيف أجرجر خطواتي وقلمي تحاصره رياح الألم، كيف أصارع عباب الأمواج بأشرعة من ضياع وحبر من يراع.. كيف أصمد في وجه الطوفان والأفكار تتناحر تباعا مخلفة وراءها تبعات الوداع وأحلام من قناع…