ديكارت يقول :“أنا أفكر، إذا أنا موجود”. أما مجتمعنا المغربي من جهته، فيعتنق “كوجيطا”ذكوريا بامتياز: ” أنا ذكر، إذا أنا فحل.” فوجود الذكر في مجتمع ذكوري وبطريركي مرتبط بفحولته وقدرته على معاشرة النساء والإنجاب. لكن ماذا إن ولدت امرأة في جسد ذكر؟ هل هذا يعني أن المجتمع سينفي عنك صفة الوجود؟ ‘هذه التساؤلات  ليست مقتطفا من نص  درامي متخيل، بل هي حكاية واقعية يعيشها العديد من الشباب المغاربة. هم ليسوا بذكور ولاإيناث، يحسون بالغبن إذ ولدوا نساءا في جسم ذكور، أو رجالا في جسم إناث…و يعتبرون أنفسهم جنسا ثالثا، إنهم مغايرو الهوية الجنسية  (transgenre). الجريدة 24، تابعت الملف فجاء الروبورطاج الآتي:

جنس ثالث مرفوض

” اكتشفت خلال مراهقتي أنني مختلف، و لا أنتمي لعالم الذكور. اكتشفت أن لدي مشاعر امرأة يثيرها الرجال أكثر من النساء. هذا لا يعني أنني مثلي، لكننيمغاير للهوية الجنسية،” هكذا لخص “كاران”، شاب عشريني من مدينة أكادير، معاناته مع هويته الجنسية المختلفة.إسمه الحقيقي هو “كريم”، لكنه يغضب حينما يناديه شخص ما بهذا الإسم لكونه لا يعبر عن هويته الجنسية.يقول كريم ” أعتقد أنني أنثى في جسد رجل، وهذا ما دفعني إلى تسمية نفسي باسم أنثوي هو كاران”.

نشأ كاران في حي “الدشيرة” الشعبي، في كنف عائلته المحافظة، و عاش اضطرابات نفسية عديدة قبل أن يقرر مواجهة نفسه. يقول لـ”الجريدة24″: ” لقد عانيت أزمات  نفسية لا تعد و لا تحصى من أجل مواجهة نفسي أولا و تقبل هويتي. هذه المواجهة كادت تكلفني حياتي، إذ عانيت من نوبات الإكتئاب المرضي التيكادت تدفعني إلى الإنتحار”،كريم واجه اشكالا آخر متمثلا في محاولة التعايش مع هذه البيئة التي لا تقبل بالإختلاف. يضيف، “أجدني محاصرا بين أطراف تالوث المجتمع والدين والقانون، كلهم يحرمون علي أن أكون نفسي، امرأةجعلها القدر بالصدفة في جسد ذكر.”

كاران يراهن على إجراء عملية لتغيير الجنس في أقرب الآجال، حتى يتخلص من الاعتداءات الشبه يومية ونظرات الإشمئزاز التي يرمقه بها زملاؤه في الكلية. يقول: ” أنا موجود، ولكنني لا أحيا. أنا و كثير من أمثالي نوجد لأننا مجبرون على أن لا نكون أنفسنا، و لا نحيا لأننا لا نرى حولنا سوى أحلاما ميتة و آمالا صريعة. السبيل الوحيد الذي قد يجعلني شخصيا أحيى هو عملية تغيير الجنس أوتصحيحه بالأحرى، لأنني لست مثليا و أريد أن أصبح أنثى، بل لأنني امرأة لم تنصفها الطبيعة، فخلقتني امرأة في جسد ذكر..”

 لكن ثمن إجراء عملية “تصحيح الجنس” يبقى بعيدا عن المتناول، يضيف”كاران” (كريم):”ثمن إجراء جراحة تجميلية يتم بموجبها عمل فتحة مهبلية في جسدي بااإضافةلثمنالهرمونات الأنثوية سوف يكلفني ما بين 6000 يورو و30000 يورو”.

ليس كل ذكر رجلا

“علميا، الفرق بين الرجل والمرأة لا يحدده دائما العضو التناسلي،” يشرح البروفسور صلاح الدين السلاوي، جراح تجميل، لـ”الجريدة24″، مضيفا أن هناك فرق بين النوع و الجنس. يقول: “الجنس يعني ذكر أو أنثى، و تحدده الكروموزومات، الهورمونات والتفاصيل الجسدية. أما النوع، فيعني رجل أو امرأة، و تحدده الهوية الجنسية و الإحساس النفسي. فليس كل ذكر رجلا، و ليس كل أنثى امرأة”.

و يضيف البرفيسور السلاوي أن مشاكل الهوية الجنسية لا تظهر بعد الولادة، بل تتشكل خلال فترة تكوين الجنين. ” ظهور هذه الحالات يعود إلى خلل في الجينات و الهرمونات خلال فترة تكون الجنين في الرحم، فيزداد المولود بكروموزونات ذكرية، لكن إحساسه الذاتي يكون امرأة، أو العكس. غالبا ما يكتشف المولود ذلك في مرحلتين، إما في سن الثالثة أو الرابعة حيث يفضل اللعب مع الجنس الآخر لأنه يحس بالإنتماء إليه، أو عند سن نهاية المراهقة و بداية الشباب، حيث يكون أصحاب هذه الحالة في الغالب مصابين بمرض اضطراب الهوية الجنسية، و هو مرض نفسي.”

المغاير للهوية الجنسية ليس إنساناً حقيقياً

إن كان كريم تقبل نفسه كأنثى و يأمل في إجراء عملية تصحيح الجنس، فمحمد،29 سنة، و الحاصل على الإجازة في الشريعة والحقوق من كلية المزار، أيت ملول،قد تقبل نفسه  دونما تفكير في إجراء عملية تغيير الجنس ” لن أقبل على إجراء عملية جراحية لأنني متأكد من أن المجتمع لن يقبل بي وسينبذني”.

حالة محمد (إسم مستعار) لا تختلف كثيرا عن حالة كاران، إذ أحس منذ بلوغه سن السادسة أن جسده و هويته الجنسية لا يلتقيان. هو يعي جيدا أن الرجال يثيرون شهوته الجنسية عوض النساء، ويواضب على ممارسة الجنس مع صديقه الحميم رشيد،29 سنة،. لكنه لا يفكر في أن يصبح أنثى يوما ما.”أنا لا أفكر في إجراء عملية تغيير الجنس، بل أفكر في أن أصبح رجلا بمعنى الكلمة في المستقبل، لأنني أرى أن العيش كتمغير جنسيا وسط المجتمع المغربي سيكون انتحارا لي.”

يضيف محمد أن السبب الذي يمنعه بالأساس من التفكير في إجراء عميلة التغيير الجنسي هو عدم جاهزية عقلية المجتمع المغربي لتقبل المتغييرين جنسيا. “المجتمع المغربي غير جاهز لتقبل مغايري الهوية الجنسية بحكم منظومة متراصة من التعاليم الدينية التي تحرم المثلية الجنسية و التشبه بالنساء”. محمد يشتكي كذلك من نفي المجتمع لصفة الإنسانية عن هذه الأقلية، و يقول:” المجتمع المغربي لا يعتبر مغاير الهوية الجنسية إنسانا، فالإنسان بالنسبة لهم ينقسم إلى جنسين فقط هما الرجل و المرأة. و هذا أكبر خطأ يرتكب في حقنا و يشعرنا بالاضطهاد و اليأس.”

محمد يرجع سبب هذا الإضطهاد إلى تغلغل مجموعة من الأفكار الدينية المغلوطة في اللاوعي المجتمعي. ” أعتقد أنه لا مكان لمغايري الهوية الجنسية في المغرب، ما دام المجتمع المغربي لم يراجع الأفكار الدينية المغلوطة تجاه المثليين و مغايري الهوية الجنسية. و هذا لن يحصل إلا حين تكون للمجتمع الجرأة على مناقشة أشباه العلماء الدينين.”

“يتحدى” محمد أي عالم دين بأن يستخرج دليلا واضحا و قاطعا من القرآن يحرم به المثلية الجنسية. “كل العلماء يقولون أن المثلية الجنسية محرمة قياسا على عقاب قوم لوط. لكن هذا مجرد تأويل من وجهة نظر علماء من مجتمع ذكوري، و لا علاقة لها بما ذكر بالقرآن حيث أن الواضح في القرآن أن قوم لوط عوقبوا لكفرهم وليس لمثليتهم… هناك طريقة واحدة لتحريم المثلية الجنسية وهي بإدخالها في إطار الفاحشة، أي ممارسة علاقة جنسية خارج إطار الزواج، كما هو الأمر بالنسبة للمرأة والرجل.”

و يعتقد محمد أن العلماء المسلمين يتغاضون عن قضية المثلية في القرآن ولا يخوضون فيها، ” إنهم لا يتطرقون إلى بعض الآيات التي تعطي حكم المثلية في القرآن حكما مغايرا”. محمد يفرد مثالا على كلامه من الآية رقم 19 من سورة الإنسان.”يقول الله عز وجل في هذه الآية : {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا}، جل العلماء يتحدثون عن هذه الآية بتفسير غير عميق. ما معنى يطوف عليهم ولدان مخلدون؟ و لماذا يريد الله عز وجل أن يجعل الغلمان المخلدون بهذا الجمال والنور يطوفون على الرجال في الجنة؟ ماذا عسى يفعله هذا الرجل في الجنة بالغلام المخلد؟ هل هذا يعني أنه محرم في الدنيا و حلال في الآخرة؟”

المثلية حرام وتصحيح الجنس حلال

في نفس السياق، يشدد رئيس المجلس العلمي لعمالة الصخيرات تمارة لحسن بن براهيم السغفل في تصريحات صحفية سابقة “أن المثلية الجنسية هي فعل محرم شرعا، والممارسون لها هم ملعونون بنص الشرع”، السغنفل يستدل على كلامه بالآية القرآنية: “أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم، بل أنتم قوم عادون”. أما بخصوص مغايري الهوية الجنسية، يفسر لحسن السغنفل أن هذا الأمر يسمى في الفقه الإسلامي ب”الخنثى المشكل”، وهو الشخص الذي لا يعرف بالضبط هل هو ذكر أم أنثى. يقول: “الخنثى المشكل له أحكام خاصة، إذ يجب أولا أن ينظر إليه من الناحية الطبية لإثبات مدى صحة هذه الاختلالات الهرمونية وللتأكد من أن الأمر يتعلق بمرض عضوي.” و يضيف “إذا ما أثبت الطب أن ذلك الشخص هو ذكر وليس أنثى أو العكس فلا إشكال في إجراء عملية تحول جنسي، أما إذا تم إجراء عملية تحول جنسي فقط لأن الشخص يريد ذلك، فالأمر يدخل في إطار تغيير خلق الله، وهذا من وسوسة الشياطين ويقول تعالى على لسان إبليس: “وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ، وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا”.