اﻷربعاء 15 يوليوز-2015
نهاية شهر مارس 2015، أربعة مغاربة يعبرون الحدود الصربية-الكرواتية سرًا، يتم القبض عليهم، يودعون في مركز اعتقال. أيام قليلة بعدها، وبالضبط يوم 27 مارس، يشب حريق في زنزانتهم، تحاول فرق اﻹنقاذ إخراجهم من النيران. النتيجة: ناجٍ وحيد وثﻼثة قتلى. تمرّ اﻷيام وﻻ تتوصل العائﻼت بأيّ معلومات حول مصير أبنائها، إذ كانت اﻷخبار تشير إلى أن اﻷمر يتعلّق بسوريين، حتى اعترف الناجي الوحيد بجنسيته المغربية.
تطرح القضية أسئلة عميقة عن مصير مئات الشباب المغاربة الذين يوّدعون بلدهم ويركبون اﻷخطار ويهيمون في بلدان لم يسمعوا بأسمائها سابقًا، حلمهم الوصول إلى إيطاليا أو ألمانيا أو فرنسا أو غيرها من بلدان “الحلم اﻷوروبي”، العشرات منهم غيّروا أسماءهم بأخرى سورية، والعشرات منهم يعيشون في مقرّات لﻼجئين.. وثﻼثة منهم احترقوا أحياءً، لوﻻ نجاة الرابع، لما علمت أسرهم أبدًا بحقيقة ما جرى لهم، بعدما غيّروا جنسياتهم إلى السورية بحثًا عن التعاطف.
هسبريس تعيد تشكيل القصة الكاملة لوفاة مغاربة حرقًا في كثير من الصمت. أمهات تنتظر جثامين أبنائها وتأمل في أن تبني لهم قبورًا ببﻼدهم، على اﻷقل كي تخمد قليﻼً نيران حريق يكوي أعماقهم حزنًا على فراق شباب في عمور الزهور، في مقابل سلطات كرواتية تنتظر تطابق نتائج الحمض النووي كي تبدأ إجراءات تسليم الجثامين.
(الصور تنشر بموافقة أسر الضحايا)
الناجي الوحيد يحكي
منذ أيام طويلة، ونحن نبحث عن رقم عبد الجليل، الناجي الوحيد من حادث اﻻحتراق، في البداية اتصل بنا أخ هشام، أحد من قضوا في الحادث، وأخبرنا بالكثير من التفاصيل، بعدها اتصلنا بالسفارة المغربية بزغرب ثم نظيرتها بالرباط، بعدها بوالدة الراحل الثاني أيوب، ثم أخ الفقيد الثالث بوجمعة، وبعد ذلك وصلنا إلى رقم أسرة عبد الجليل بجماعة الكفيفات أوﻻد تايمة، ثم إلى رقم أحد أصدقائه، وبعدها أخيرًا كان لنا حديث هاتفي مع عبد الجليل.
عبد الجليل
شهر أبريل 2014، وبعد عطالة مستمرة جرّب خﻼلها الكثير من أنواع المهن، قرّر عبد الجليل، البالغ من العمر حاليًا 23 سنة، ركوب الخطر رفقة صديقه من الجماعة نفسها، بوجمعة من مواليد 1988، اختارا التوجه إلى تركيا التي ﻻ تشترط التأشيرة، قضيا هناك فترة من الوقت، ثم انتقﻼ إلى اليونان سرًا، حيث قضيا ثمانية أشهر في مركز لﻼجئين، هناك التقيا بهشام (مواليد 1986) من مدينة تمارة، ليشدّ الثﻼثة الرحال نحو مقدونيا، الهدف هو الوصول إلى إيطاليا، حيث يسكن شقيق بوجمعة.
يستمر عبد الجليل في الحكي.. في مقدونيا، هذا البلد الصغير بشبه جزيرة البلقان، التقى الثﻼثة بأيوب (مواليد 1993)، ينحدر من أبي الجعد. توطدت عﻼقة اﻷربعة، وعزم جميعهم على اﻻستمرار في الرحلة. وصلوا إلى صربيا، خليفة جمهورية يوغوسﻼفيا السابقة، في فترة شهدت انخفاض درجة الحرارة إلى ما تحت الصفر، وبعدها حاولوا عبور الحدود مع الكرواتية، تم القبض عليهم من طرف قوات اﻷمن الكرواتية التي أعادتهم إلى صربيا، قضوا هناك بضعة أيام، قبل أن يطلق سراحهم، ثم أعادوا المحاولة من جديد، غير أن قوات اﻷمن ترّبصت بهم مرة أخرى، وعوض أن تعيدهم القوات الكرواتية إلى صربيا، احتجزتهم في مركز اعتقال لمدة معيّنة ﻷجل تعميق البحث معهم.
المسار الذي قطعه المهاجرون المغاربة
“كنا نائمين في تلك الليلة، قبل أن نشتم رائحة غاز شديدة. وما هي إﻻا ثوانٍ حتى شبّت النيران حولنا. كان الحرّ شديدًا ولم أستطع حتى فتح عيني، بعدها بدقائق فقدت الوعي، ﻷجد نفسي في المستشفى بعد أيام. إذ بقيت لفترة من الزمن في غيبوبة ﻻ أتذكر كم دامت بالضبط. لم أستطع الحديث بعد استعادتي الوعي، فاﻷلم كان شديدًا، لكن ما علمت به هو أن أيوب توفي في عين المكان، أما بوجمعة وأيوب، فقد علمت في وقت ﻻحق بوفاتهما”.
سوريون أم مغاربة؟
يعترف عبد الجليل أنهم قدموا أنفسهم عند اعتقالهم كسوريين ﻷجل نيل التعاطف أو على اﻷقل تقليل المدة الحبسية، لذلك عندما وقع الحريق وتوفي أيوب، تمت المناداة على مسؤولين سوريين، وجرى تقديم الضحايا في اﻹعﻼم الكرواتي بانتمائهم لهذا البلد، حتى علم عبد الجليل أن بوجمعة وهشام قضيا نحبهما بعد الحادث بـ20 يومًا متأثرين بجراحهما، حينئذ قرّر اﻻعتراف بجنسيته المغربية وجنسيات أصدقائه الراحلين.
أيوب
أثناء الرحلة نحو الموت، غيّر عبد الجليل اسمه إلى حمزة محمود، وبوجمعة اختار اسم محمد ياسر، أما هشام فاختار اسم هشام محمود، بينما انتقى أيوب اسم بﻼل. دُفن هذا اﻷخير وهو يحمل هذا اﻹسم، بينما بقي جثمانا هشام وبوجمعة في مركز صحي بزغرب في انتظار انتهاء اﻹجراءات. يتذكر جمال أسعد، سفير المعارضة السورية بكرواتيا، كيف اتصلت به الشرطة الكرواتية عند وقوع هذا الحادث ﻷجل التعرّف على هوية الضحايا، ويؤكد أنه كان حاضرًا عند دفن “بﻼل” أو أيوب، إﻻا أن لهجة الناجي الوحيد، أي عبد الجليل، جعلته يشك في مسألة انتمائهم إلى سوريا، قبل أن يتأكد من أنهم مغاربة عندما اعترف له عبد الجليل بذلك، مطالبًا إياه التواصل مع السفارة المغربية ﻷجل إيجاد حل يضمن نقل الجثامين الثﻼثة إلى المغرب.
ينفي عبد الجليل أن يكون قد طلب اللجوء السياسي إلى كرواتيا: “أنا طالبت فقط بحماية كرواتيا بشكل إنساني لي حتى أشفى، كي ﻻ تعيدني إلى السجن بصربيا، فلحد الساعة ﻻ أستطيع المشي إﻻا بصعوبة. أنا مغربي وسأبقى مغربيًا ولن أطلب أبدًا الجنسية الكرواتية. رفضت العودة إلى بلدي اﻵن ﻷنني في وضع صعب وﻻ أريد أن تشاهدني والدتي على هذا الحال” يقول عبد الجليل الذي يعيش حاليًا في ملجأ لﻼجئين بالعاصمة زغرب.
هشام
يؤكد جمال أسعد لهسبريس أن مساعد السفير المغربي زار عبد الجليل وقدم له يد المساعدة، ويؤكد ما جاء على لسان السفارة المغربية بزغرب التي اتصلت بهسبريس لتؤكد أنها تبذل جهدها ﻹعادة الجثامين خﻼفًا لما جاء على لسان أسر الضحايا. أبدى جمال نوعًا من التفهم للتباطؤ الكرواتي في إنهاء الملف بما أن القوانين الكرواتية تشترط التثبت الكامل من هويات الموتى قبل نقلهم إلى بلدانهم، مناديًا المغاربة بعدم إهمال هذه القضية التي حرّكت الرأي العام بشكل واسع في كرواتيا.
السفارة الكرواتية: لن نعلن عن أسمائهم اﻵن
أياما قليلة بعد نشر هسبريس لخبر وفاة المغاربة حرقًا، سارعت السفارة الكرواتية بالرباط إلى إرسال بيان، حاولت من خﻼله التأكيد على أن التأخر في اعتراف الناجي الوحيد بجنسيته المغربية هو ما جعل القضية ﻻ تجد حﻼا إلى حد اﻵن رغم دخولها في شهرها الرابع، مؤكدة أنها تواصلت مع اﻷنتربول بالمغرب، عبر السفارة المغربية بزغرب، ﻷجل التثبت فعﻼا من حقيقة انتماء القتلى إلى المغرب.
“نتفهم أحاسيس العائﻼت ورغبتها في معرفة حقيقة وفاة أبنائها، لكن الموضوع جد معقد وجد مؤلم، ونخاف أن نعلن عن الوفاة لنتفاجأ أن اﻷمر ﻻ يتعلّق بمغاربة رغم اﻻحتماﻻت القوية. ﻻ يمكننا كسفارة كرواتية أن نتﻼعب بعواطف العائﻼت رغم تأكيدنا على حق المغاربة في المعلومة” يقول السفير الكرواتي، زفونيمير فركا بيتيسيك في تصريحات جديدة لهسبريس.
يمضي السفير في الحديث عن الصعوبات، إذ رغم إرسال إحدى اﻷسر للوثائق الثبوتية ﻻبنها، وتأكيدها أنه توفي في الحريق، فالسلطات الكرواتية تعمل على مطابقة حمض الـADN للضحايا مع سجﻼتهم بالمغرب، ومع بعض أفراد أسرهم كي تتأكد فعﻼا من انتسابهم للمغرب. متحدثًا أن كرواتيا تتخوّف أن يكون اعتراف الناجي الوحيد بمغربيته غير صحيح، مشيرًا إلى أنها ستعمل كل ما بوسعها لمساعدة عائﻼت الضحايا على التوّصل بجثامين أبنائها عندما ينتهي الملف.
نريد قبور أبنائنا
“لم ينادِ أحد على العائﻼت ﻷجل البحث عن مطابقة الـADN، ولوﻻ تحرّكنا في اﻷيام اﻷخيرة، لمّا أعاروا اهتمامًا لهذه القضية” يقول بدر، أخ الراحل هشام، مضيفًا: “نعيش جحيمًا منذ نهاية مارس الماضي، أمهاتنا تبكي ليل نهار، ﻻ ترغب إﻻا في جثامين أبنائها بعدما تأكدت من وفاتهم”. الكﻼم نفسه يأتي على لسان أخ بوجمعة، القاطن بألمانيا: “تأكدنا من صور حصلنا عليها من المستشفى بعد الحريق أن اﻷمر يتعلّق بشقيقي، لكن رغم ذلك، ﻻ يرغبون في التسريع بإنهاء الملف، وﻻ يرغبون في تسريع الكشف عن أسباب هذا الحريق”.
بوجمعة
بكثير من الحزن، تتحدث لنا والدة أيوب، من أبي الجعد: ” لوﻻ اتصاﻻت هسبريس وأخ هشام، لحسبت نفسي وحيدة في هذه القضية. ﻻ يمكنك أن تسأل أمًا عن ألمها وهي تفقد فلذة كبدها في عز شبابه، فﻼ كلمات يمكنها أن تشكّل الجواب.. لكن يمكن أن تسألها عن ألمها وهي تزور المقبرة فﻼ تجد قبره”. اﻷلم ذاته ينطق في كﻼم عائلة عبد الجليل، فرغم إنقاذ ابنها، إﻻا أن حالته الصحية المتدهورة بعد مروره من ظرف صعب، جعلتها تطلب رؤيته فقط في هذه الفترة.
يقضي عبد الجليل أيامه في التجوال في شوارع زغرب.. ذكريات تلك اللحظات العصيبة التي أودت بأصدقائه ﻻ تزال تحتل أفكاره، حتى إن اسم حسابه على فيسبوك غيّره إلى Triste Souffrance بعدما استحالت حياته إلى فسحة من المرارة. قدّر الله أن يكون الناجي الوحيد ليروي للعالم قصة احتراق مغاربة هجروا بﻼدهم تحت تأثير أضواء أوربا.. طوال رحلتهم الذي عبروا خﻼلها خمسة بلدان من تركيا إلى كرواتيا، كانت أحﻼم العيش الرغد تراودهم، وأمنيات حياة الرفاهية تقودهم.. لم يثنهم عن ذلك اﻻعتقال وﻻ الجوع وﻻ التشرّد.. إلى أن كانت الخاتمة في مركز اعتقال بمدينة باجاكوفو الحدودية.
اﻷربعاء 15 يوليوز-2015
نهاية شهر مارس 2015، أربعة مغاربة يعبرون الحدود الصربية-الكرواتية سرًا، يتم القبض عليهم، يودعون في مركز اعتقال. أيام قليلة بعدها، وبالضبط يوم 27 مارس، يشب حريق في زنزانتهم، تحاول فرق اﻹنقاذ إخراجهم من النيران. النتيجة: ناجٍ وحيد وثﻼثة قتلى. تمرّ اﻷيام وﻻ تتوصل العائﻼت بأيّ معلومات حول مصير أبنائها، إذ كانت اﻷخبار تشير إلى أن اﻷمر يتعلّق بسوريين، حتى اعترف الناجي الوحيد بجنسيته المغربية.
تطرح القضية أسئلة عميقة عن مصير مئات الشباب المغاربة الذين يوّدعون بلدهم ويركبون اﻷخطار ويهيمون في بلدان لم يسمعوا بأسمائها سابقًا، حلمهم الوصول إلى إيطاليا أو ألمانيا أو فرنسا أو غيرها من بلدان “الحلم اﻷوروبي”، العشرات منهم غيّروا أسماءهم بأخرى سورية، والعشرات منهم يعيشون في مقرّات لﻼجئين.. وثﻼثة منهم احترقوا أحياءً، لوﻻ نجاة الرابع، لما علمت أسرهم أبدًا بحقيقة ما جرى لهم، بعدما غيّروا جنسياتهم إلى السورية بحثًا عن التعاطف.
هسبريس تعيد تشكيل القصة الكاملة لوفاة مغاربة حرقًا في كثير من الصمت. أمهات تنتظر جثامين أبنائها وتأمل في أن تبني لهم قبورًا ببﻼدهم، على اﻷقل كي تخمد قليﻼً نيران حريق يكوي أعماقهم حزنًا على فراق شباب في عمور الزهور، في مقابل سلطات كرواتية تنتظر تطابق نتائج الحمض النووي كي تبدأ إجراءات تسليم الجثامين.
(الصور تنشر بموافقة أسر الضحايا)
الناجي الوحيد يحكي
منذ أيام طويلة، ونحن نبحث عن رقم عبد الجليل، الناجي الوحيد من حادث اﻻحتراق، في البداية اتصل بنا أخ هشام، أحد من قضوا في الحادث، وأخبرنا بالكثير من التفاصيل، بعدها اتصلنا بالسفارة المغربية بزغرب ثم نظيرتها بالرباط، بعدها بوالدة الراحل الثاني أيوب، ثم أخ الفقيد الثالث بوجمعة، وبعد ذلك وصلنا إلى رقم أسرة عبد الجليل بجماعة الكفيفات أوﻻد تايمة، ثم إلى رقم أحد أصدقائه، وبعدها أخيرًا كان لنا حديث هاتفي مع عبد الجليل.
عبد الجليل
شهر أبريل 2014، وبعد عطالة مستمرة جرّب خﻼلها الكثير من أنواع المهن، قرّر عبد الجليل، البالغ من العمر حاليًا 23 سنة، ركوب الخطر رفقة صديقه من الجماعة نفسها، بوجمعة من مواليد 1988، اختارا التوجه إلى تركيا التي ﻻ تشترط التأشيرة، قضيا هناك فترة من الوقت، ثم انتقﻼ إلى اليونان سرًا، حيث قضيا ثمانية أشهر في مركز لﻼجئين، هناك التقيا بهشام (مواليد 1986) من مدينة تمارة، ليشدّ الثﻼثة الرحال نحو مقدونيا، الهدف هو الوصول إلى إيطاليا، حيث يسكن شقيق بوجمعة.
يستمر عبد الجليل في الحكي.. في مقدونيا، هذا البلد الصغير بشبه جزيرة البلقان، التقى الثﻼثة بأيوب (مواليد 1993)، ينحدر من أبي الجعد. توطدت عﻼقة اﻷربعة، وعزم جميعهم على اﻻستمرار في الرحلة. وصلوا إلى صربيا، خليفة جمهورية يوغوسﻼفيا السابقة، في فترة شهدت انخفاض درجة الحرارة إلى ما تحت الصفر، وبعدها حاولوا عبور الحدود مع الكرواتية، تم القبض عليهم من طرف قوات اﻷمن الكرواتية التي أعادتهم إلى صربيا، قضوا هناك بضعة أيام، قبل أن يطلق سراحهم، ثم أعادوا المحاولة من جديد، غير أن قوات اﻷمن ترّبصت بهم مرة أخرى، وعوض أن تعيدهم القوات الكرواتية إلى صربيا، احتجزتهم في مركز اعتقال لمدة معيّنة ﻷجل تعميق البحث معهم.
المسار الذي قطعه المهاجرون المغاربة
“كنا نائمين في تلك الليلة، قبل أن نشتم رائحة غاز شديدة. وما هي إﻻا ثوانٍ حتى شبّت النيران حولنا. كان الحرّ شديدًا ولم أستطع حتى فتح عيني، بعدها بدقائق فقدت الوعي، ﻷجد نفسي في المستشفى بعد أيام. إذ بقيت لفترة من الزمن في غيبوبة ﻻ أتذكر كم دامت بالضبط. لم أستطع الحديث بعد استعادتي الوعي، فاﻷلم كان شديدًا، لكن ما علمت به هو أن أيوب توفي في عين المكان، أما بوجمعة وأيوب، فقد علمت في وقت ﻻحق بوفاتهما”.
سوريون أم مغاربة؟
يعترف عبد الجليل أنهم قدموا أنفسهم عند اعتقالهم كسوريين ﻷجل نيل التعاطف أو على اﻷقل تقليل المدة الحبسية، لذلك عندما وقع الحريق وتوفي أيوب، تمت المناداة على مسؤولين سوريين، وجرى تقديم الضحايا في اﻹعﻼم الكرواتي بانتمائهم لهذا البلد، حتى علم عبد الجليل أن بوجمعة وهشام قضيا نحبهما بعد الحادث بـ20 يومًا متأثرين بجراحهما، حينئذ قرّر اﻻعتراف بجنسيته المغربية وجنسيات أصدقائه الراحلين.
أيوب
أثناء الرحلة نحو الموت، غيّر عبد الجليل اسمه إلى حمزة محمود، وبوجمعة اختار اسم محمد ياسر، أما هشام فاختار اسم هشام محمود، بينما انتقى أيوب اسم بﻼل. دُفن هذا اﻷخير وهو يحمل هذا اﻹسم، بينما بقي جثمانا هشام وبوجمعة في مركز صحي بزغرب في انتظار انتهاء اﻹجراءات. يتذكر جمال أسعد، سفير المعارضة السورية بكرواتيا، كيف اتصلت به الشرطة الكرواتية عند وقوع هذا الحادث ﻷجل التعرّف على هوية الضحايا، ويؤكد أنه كان حاضرًا عند دفن “بﻼل” أو أيوب، إﻻا أن لهجة الناجي الوحيد، أي عبد الجليل، جعلته يشك في مسألة انتمائهم إلى سوريا، قبل أن يتأكد من أنهم مغاربة عندما اعترف له عبد الجليل بذلك، مطالبًا إياه التواصل مع السفارة المغربية ﻷجل إيجاد حل يضمن نقل الجثامين الثﻼثة إلى المغرب.
ينفي عبد الجليل أن يكون قد طلب اللجوء السياسي إلى كرواتيا: “أنا طالبت فقط بحماية كرواتيا بشكل إنساني لي حتى أشفى، كي ﻻ تعيدني إلى السجن بصربيا، فلحد الساعة ﻻ أستطيع المشي إﻻا بصعوبة. أنا مغربي وسأبقى مغربيًا ولن أطلب أبدًا الجنسية الكرواتية. رفضت العودة إلى بلدي اﻵن ﻷنني في وضع صعب وﻻ أريد أن تشاهدني والدتي على هذا الحال” يقول عبد الجليل الذي يعيش حاليًا في ملجأ لﻼجئين بالعاصمة زغرب.
هشام
يؤكد جمال أسعد لهسبريس أن مساعد السفير المغربي زار عبد الجليل وقدم له يد المساعدة، ويؤكد ما جاء على لسان السفارة المغربية بزغرب التي اتصلت بهسبريس لتؤكد أنها تبذل جهدها ﻹعادة الجثامين خﻼفًا لما جاء على لسان أسر الضحايا. أبدى جمال نوعًا من التفهم للتباطؤ الكرواتي في إنهاء الملف بما أن القوانين الكرواتية تشترط التثبت الكامل من هويات الموتى قبل نقلهم إلى بلدانهم، مناديًا المغاربة بعدم إهمال هذه القضية التي حرّكت الرأي العام بشكل واسع في كرواتيا.
السفارة الكرواتية: لن نعلن عن أسمائهم اﻵن
أياما قليلة بعد نشر هسبريس لخبر وفاة المغاربة حرقًا، سارعت السفارة الكرواتية بالرباط إلى إرسال بيان، حاولت من خﻼله التأكيد على أن التأخر في اعتراف الناجي الوحيد بجنسيته المغربية هو ما جعل القضية ﻻ تجد حﻼا إلى حد اﻵن رغم دخولها في شهرها الرابع، مؤكدة أنها تواصلت مع اﻷنتربول بالمغرب، عبر السفارة المغربية بزغرب، ﻷجل التثبت فعﻼا من حقيقة انتماء القتلى إلى المغرب.
“نتفهم أحاسيس العائﻼت ورغبتها في معرفة حقيقة وفاة أبنائها، لكن الموضوع جد معقد وجد مؤلم، ونخاف أن نعلن عن الوفاة لنتفاجأ أن اﻷمر ﻻ يتعلّق بمغاربة رغم اﻻحتماﻻت القوية. ﻻ يمكننا كسفارة كرواتية أن نتﻼعب بعواطف العائﻼت رغم تأكيدنا على حق المغاربة في المعلومة” يقول السفير الكرواتي، زفونيمير فركا بيتيسيك في تصريحات جديدة لهسبريس.
يمضي السفير في الحديث عن الصعوبات، إذ رغم إرسال إحدى اﻷسر للوثائق الثبوتية ﻻبنها، وتأكيدها أنه توفي في الحريق، فالسلطات الكرواتية تعمل على مطابقة حمض الـADN للضحايا مع سجﻼتهم بالمغرب، ومع بعض أفراد أسرهم كي تتأكد فعﻼا من انتسابهم للمغرب. متحدثًا أن كرواتيا تتخوّف أن يكون اعتراف الناجي الوحيد بمغربيته غير صحيح، مشيرًا إلى أنها ستعمل كل ما بوسعها لمساعدة عائﻼت الضحايا على التوّصل بجثامين أبنائها عندما ينتهي الملف.
نريد قبور أبنائنا
“لم ينادِ أحد على العائﻼت ﻷجل البحث عن مطابقة الـADN، ولوﻻ تحرّكنا في اﻷيام اﻷخيرة، لمّا أعاروا اهتمامًا لهذه القضية” يقول بدر، أخ الراحل هشام، مضيفًا: “نعيش جحيمًا منذ نهاية مارس الماضي، أمهاتنا تبكي ليل نهار، ﻻ ترغب إﻻا في جثامين أبنائها بعدما تأكدت من وفاتهم”. الكﻼم نفسه يأتي على لسان أخ بوجمعة، القاطن بألمانيا: “تأكدنا من صور حصلنا عليها من المستشفى بعد الحريق أن اﻷمر يتعلّق بشقيقي، لكن رغم ذلك، ﻻ يرغبون في التسريع بإنهاء الملف، وﻻ يرغبون في تسريع الكشف عن أسباب هذا الحريق”.
بوجمعة
بكثير من الحزن، تتحدث لنا والدة أيوب، من أبي الجعد: ” لوﻻ اتصاﻻت هسبريس وأخ هشام، لحسبت نفسي وحيدة في هذه القضية. ﻻ يمكنك أن تسأل أمًا عن ألمها وهي تفقد فلذة كبدها في عز شبابه، فﻼ كلمات يمكنها أن تشكّل الجواب.. لكن يمكن أن تسألها عن ألمها وهي تزور المقبرة فﻼ تجد قبره”. اﻷلم ذاته ينطق في كﻼم عائلة عبد الجليل، فرغم إنقاذ ابنها، إﻻا أن حالته الصحية المتدهورة بعد مروره من ظرف صعب، جعلتها تطلب رؤيته فقط في هذه الفترة.
يقضي عبد الجليل أيامه في التجوال في شوارع زغرب.. ذكريات تلك اللحظات العصيبة التي أودت بأصدقائه ﻻ تزال تحتل أفكاره، حتى إن اسم حسابه على فيسبوك غيّره إلى Triste Souffrance بعدما استحالت حياته إلى فسحة من المرارة. قدّر الله أن يكون الناجي الوحيد ليروي للعالم قصة احتراق مغاربة هجروا بﻼدهم تحت تأثير أضواء أوربا.. طوال رحلتهم الذي عبروا خﻼلها خمسة بلدان من تركيا إلى كرواتيا، كانت أحﻼم العيش الرغد تراودهم، وأمنيات حياة الرفاهية تقودهم.. لم يثنهم عن ذلك اﻻعتقال وﻻ الجوع وﻻ التشرّد.. إلى أن كانت الخاتمة في مركز اعتقال بمدينة باجاكوفو الحدودية.