هناك سوء فهم كبير لما يجري اليوم من شد وجدب بين نادي القضاة ووزارة العدل، لا يمكن تفكيك خيوطه من غير التحرر من الضغط الإعلامي من جهة، وضغط التصعيد المتبادل بين الطرفين.

وقبل مباشرة عملية فك الارتباط هذه، ينبغي أن نستحضر المعطيات الآتية الخاصة بسلوك نادي القضاة:

1- إن نادي القضاة، منذ انطلاق مسار النقاش العمومي حول إصلاح منظومة العدالة، فضل أسلوب الضغط، فقد انسحب من جلسات الحوار الوطني من أجل إصلاح منظومة العدالة، واكتفى النادي بتقديم مقترحاته، مع رفض مناقشتها مع الوزارة.

2- إنه رفض الانخراط في سلسة الحوارات التي أطلقها وزير العدل والحريات حول القانون الأساسي والقانون المنظم السلطة القضائية، ورفض الدخول في أي حوار مع الوزارة في هذا الشأن.

3- إن نادي القضاة قدم مقترحاته بشأن القانونين، واستعان مرة أخرى بأسلوب الضغط لفرض مطالبه، مع أن الأمر يتعلق بمجرد مسودتين، وليس حتى مشروعي قانون سيتم عرضهما على أنظار المؤسسة التشريعية.

أما من جهة الوزارة، فإن نقطة قوتها، أنها لم تغلق باب الحوار، ولم تغير من منهجيتها في اعتبار جلسات الحوار مع القضاة سواء منها العامة أو التي تأتي بطلب من الهيئات المهنية، الفضاء المناسب للتداول في المقترحات.

في الظاهر، أو هكذا يبدو الأمر وسط ضجيج الضغط الإعلامي والتعبئة “النضالية”، يبرز عنوان استقلال القضاء كما ولو كان نقطة التوتر الساخنة بين الطرفين، فيتم تصوير نادي القضاة كمدافع عن استقلالية القضاء، وفي المقابل تصوير وزارة العدل والحريات كحارس للمعبد، العدو العنيد لاستقلالية القضاء، في حين أن الموضوع يبدو أعمق من ذلك.

في العمق، ودون الدخول في مناقشة مقتضيات المسودتين، فإن وزارة العدل سينتهي بها المطاف إلى وزارة للتسيير الإداري والمالي، لا غير، وستنتهي أي علاقة تماس بينها وبين القضاة، لا من جهة سلطة التعيين ولا الترقية ولا التأديب، وستحل هذه السلطات الكبيرة إلى الجسم القضائي، وتحديدا إلى الوكيل العام، أي إن جوهر المسودة يصب في اتجاه مطلب تاريخي وكبير يتعلق بإنهاء سلطة وزارة العدل على القضاة، وترسيم حالة استقلال السلطة القضائية.

أين تكمن المشكلة إذن؟

المشكلة تكمن أساسا في تركيبة المجلس الأعلى للسلطة القضائية، والتي يسعى نادي القضاة أن يمارس كل ضغوطه من أجل تغيير بعض المقتضيات القانونية التي تتيح له تحقيق الأغلبية داخل المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وبالتالي جعل القضاء تحت حرمته في هذه المرحلة الانتقالية الحساسة.

طبعا، ليس هناك أي مشكلة في أن تحظى هذه الهيئة أو تلك بتمثيلية وازنة داخل المجلس الأعلى للقضاء، لكن، كما أن هناك خوفا على استقلالية القضاء من السلطة التنفيذية، فهناك أيضا في الجهة المقابلة خوف من استقواء القضاء وتغوله على الدولة والمجتمع لاسيما إن كانت هيئة واحدة- باسم الأغلبية- تستتفرد بالقرار، ولا وجود لأي سلطة رادعة لها.

ولذلك، ينبغي أن نذهب إلى عمق المشكلة، وليس إلى ظواهرها، فهناك اليوم من يختبئ وراء حيثيات صغيرة تتعلق بالخلاف حول الزيادات، أو الدرجة الاستثنائية، مع أن الجميع يشهد بأن الزيادات التي أقدمت عليها وزارة العدل لفائدة القضاة غير مسبوقة في تاريخ المغرب، في حين أن المشكلة هي في ضمان التوازن داخل السلطة القضائية نفسها، وهذا هو معنى أن يكون الملك هو الضامن لاستقلالية القضاء، إذ لو ترك القضاء لتغول واستقواء هيئة واحدة داخله، فلن يكون هناك معنى لاستقلالية القضاء، لأن ضمانة الاستقلالية هو حصول التوازن داخل المؤسسة القضائية وليس الاستقواء والتغول.

ولعل ما يؤكد المخاوف من استقواء القضاء وتغوله، ليس فقط حالة جيراننا في مصر، ولكن أيضا المنهجية التي يسلكها نادي القضاة نفسه، إذ يكتب مذكراته، ويبعث بها إلى الوزارة، ويجدول برنامج نضاله النقابي على واجهتين: الميدان والإعلام، ويرفض أن يدخل في أي نقاش حول مقترحاته، فإما أن تكون أو النضال دونها حتى تكون.

لنتصور سلطة قضائية هيمنت عليها هذه العقلية، فصارت لا تؤمن إلا بنفسها، بل أحيانا تجعل نفسها فوق القانون، كما هو الحال في الاحتجاج بالبذل الرسمية في الشارع، هل سيكون بإمكان أحد في الدولة أو المجتمع معا، أن يطمئن على استقلالية القضاء في ظل غياب توازن يشعر معه بشيء من الطمأنينة.