يواجه الرجل السوداني “تهمة غليظة”، وهي أنه “شحيح” في إبداء عواطفه تجاه المرأة لدرجة تبلغ حد “الجفاف العاطفي”، الأمر الذي شق طريقه لأن يكون مثار بحث وجدل بين متخصصين.

ذلك الاتهام دفع الطبيب النفسي السوداني،”علي بلدو”، إلى افتتاح ما أسماها “مدرسة تعليم الرومانسية للرجال في السودان”، ومقرها في مدينة أم درمان غربي العاصمة الخرطوم، لكنها واجهت آراءً مختلفة بين مشجع ومشكك.

وفي إعلانه عن المدرسة، التي بدأت العمل منتصف أكتوبر/ تشرين أول الماضي، قال “بلدو” إن ما دفعه إلى تأسيسها هي قناعة توصل إليها بأن “الرجل السوداني يعيش جفافاً عاطفياً، ويعاني شحاً في التعبير عن عواطفه، ويعيش مجاعة عاطفية”.

– غياب الرومانسية

عن مدرسته المثيرة للجدل، قال استشاري الأمراض النفسية، للأناضول “تعاملت مع حالات مصابة باعتلالات نفسية، وسمعت شكاوى سيدات سودانيات عن معاناتهن في حياتهن الزوجية”.

وتابع “أستطيع القول إن 90% من الرجال السودانيين مصابون بجفاف عاطفي ناجم من عدم قدرتهم على التواصل مع الطرف الآخر”.

ولا يسند “بلدو” حديثه بإحصاءات ولا دراسات، لكنه وصف الرجال السودانيين بأنهم “متبلدو العواطف، بسبب جهلهم بأساليب التعامل الرومانسي”، على حد تعبيره.

– جدل متصاعد

ومنذ منتصف أكتوبر الماضي، أثار الإعلان عن هذه المدرسة موجة من الجدل المتصاعد في مواقع التواصل الاجتماعي بالسودان.

وامتد هذا الجدل إلى بحث مشكلات المجتمع المرتبطة بالزواج، وغلاء المهور، وارتفاع نسب العنوسة، وهجرة الشباب.

وجادل البعض بأن الاتهام متبادل، وتساءلوا مستنكرين “هل تتمتع المرأة السودانية بالرومانسية المطلوبة (؟!)”.

وحسماً للجدل أعلن “بلدو” اعتزامه فتح فصول لتدريس الرومانسية للنساء، وقال إن “إدراج النساء في الاتهام لا ينفي صحة ما ذهبت إليه، هناك نساء يفتقرن للرومانسية، لكنها نسبة قليلة وغير مؤثرة حالياً، لذا سيتم استيعابهن في وقت نحدده لاحقاً”.

– الرجل الشرقي

ووفق الأخصائية النفسية، سلمى جمال، في حديث للأناضول، فإن “فكرة إنشاء مدرسة لتعليم الرومانسية للرجال ربما هي السبب في إثارة ذلك الجدل، فتركيبة الرجل الشرقي عموماً معقدة”.

وأرجعت جذور القضية إلى “تقليدية التربية التي تفرض على الطفل الثبات وإخفاء الجزعه وحبس الدموع، بل تمنعه من البكاء، وتعده عيباً، وهذا غير طبيعي من الناحية العلمية”.

ورأت أن “تربية الأطفال في السودان تصرف اهتمامهم، حين يكبروا، عن الرومانسية.. الرجل السوداني يظهر مشاعره وعواطفه في فترة الخطوبة، ثم يتوقف بعد الزواج”.

وأوضحت أن “مسؤوليات الحياة بعد الزواج، مثل توفير سبل العيش، وتربية الأبناء، تصدم الرجل، فتتراجع عنده الرومانسية”.

وقدرت الأخصائية السودانية أن “نجاح مدرسة تعليم الرومانسية يتوقف على قدرتها على تعليم الرجال أهمية إبداء عواطفهم، بغض النظر عن الظروف الحياتية التي يواجهونها”.

– نفي لتهمة الجفاف

سميحة أحمد، وهي موظفة سودانية، نفت من جانبها: صفة عدم رومانسية الرجال، وعجزهم عن إظهار مشاعرهم.

وقالت سميحة، في حديث للأناضول “لا يمكن القول إن الرجال غير رومانسيين دون النساء”.

وتابعت “لم ألمس من إخوتي ووالدي وأفراد عائلتي الكبيرة قسوة أو جفافاً عاطفياً.. أنا مرتبطة عاطفياً، ولا أتهم شريكي بالجفاف العاطفي”.

– الدين والمناخ

وأعطى أخصائي التنمية البشرية، شادي الشامي (سوري الجنسية) القضية بعداً دينياً بقوله إن “التزام الرجل السوداني الديني قد يُفسر بأنه قسوة عاطفية عند مقارنته بالرجال الغربيين”.

ومضى الشامي قائلاً للأناضول “لم ألحظ خلال وجودي في السودان قسوة الرجل وأنه غير رومانسي، فهو لا يختلف عن الرجال في المجتمعات العربية الأخرى”.

واعتبر أنه “ربما المناخ وارتفاع درجات الحرارة من أسباب بروز الحدة والخشونة في الرجال السودانيين”.

– انتقادات للمدرسة

وأبدت الأخصائية النفسية سامية جمال، تفاؤلاً تجاه نجاح “مدرسة الرومانسية” بقولها: “ستحقق المدرسة النجاح في المستقبل القريب، وأتوقع أن تشهد إقبالاً كثيفاً من الشباب”.

الدراما لم تقف متفرجة، فأطلق الدرامي السوداني الشهير، عوض شكسبير، مقطع فيديو يسخر فيه من فكرة إنشاء المدرسة تعليم الرومانسية، لكونها، على حد تقديره “تتجاهل المشاكل الوجودية التي تواجه الرجال والمجتمع″.

وساخراً يقول شكسبير في الفيديو “بعد رفع العقوبات الأمريكية (عن السودان)، انحصرت همومنا في الترفية وتعلم الإتكيت (فن التعامل مع الآخرين) وإنزال الدموع″.

ويوافقه على الفكرة ثامر بدر الدين، وهو سوداني متزوج وأب لأطفال، بقوله “كأن كل المشكلات التي تواجهنا انتهت برفع العقوبات الاقتصادية الأمريكية عن السودان”.

ووصف بدر الدين، في حديث للأناضول، فكرة إنشاء مدرسة لتعليم الرومانسية بأنها “سطحية، لأن مشكلات المجتمع السوداني أهم من هذه المسائل، فتردي الأوضاع المعيشية ومشكلات الصحة والتعليم هي المشاكل الرئيسية التي تواجه مجتمعنا”.

– إقبال كبير

ورغم الجدل المثار والانتقادات اللاذعة، قال الطبيب النفسي السوداني إن مدرسته تلقى قبولاً متزايداً، مبيناً “تلقينا طلبات عديدة للالتحاق لدراسة كورسات (جلسات) تحليل الشخصية، وتقبل الآخر، واكتساب وإظهار المشاعر”.

وزاد بلدو “بسبب كثرة الطلبات اضطررنا إلى تقسيم المتقدمين إلى مجموعات، تتكون الأولى من 25 دارساً، على أن يستوعب الباقون بعد تخرج الدفعة الأولى تباعاً”.

وطمأن الطبيب الرجال بأن “مدرسة الرومانسية مجانية، وتمنح شهادة موثقة من جهات رسمية (لم يحددها) تثبت تعلم كورسات الرومانسية”.

واعتبر بلدو أن “الآراء السالبة ضد المدرسة تروجها جماعات متطرفة.. وصفني متطرفون ومتشددون بالزندقة وبتبني أساليب غربية تخالف التعاليم الإسلامية وتسهم في هدم المجتمع″.

و”بلدو” معروف بآرائه المثيرة للجدل بين السودانيين، ومنها قوله إن “الشتائم” التي يتبادلها مسؤولون سودانيون تعود إلى إصابتهم بانفصام في الشخصية، وإن التوترات السياسية بين القيادات السودانية سببها معاناتهم من “الاضطراب النفسي”.

كما اتهم اللنساء السودانيات بأنهن مصابات بالاكتئاب، وقال أيضا إن بعض أبناء الريف السوداني يصابون بصدمة نفسية عندما يتم تعيينهم وزراء.

 

الخرطوم-الأناضول